الـترفـيه . . وجـودة الـحياة .. وأثـرهـا فـي مؤشـرات السمعة العالمية
ربما لو سألت كبار الخبراء في الاقتصاد والأعمال في القرن الماضي، ماهي الصناعة التي ستغزو العالم؛ ربما لن يكون الترفيه وجودة الحياة في قائمة التوقعات، عطفا على النمط الكلاسيكي في التفكير الذي كان يدير "النقود" و"العقول" معا آنذاك .
اليوم نرى العالم يتسارع بشكل غير مسبوق في التغيير على كل الأصعدة، كأننا نتسارع لركوب موجة النجاة من تسونامي عالمي يعصف بكل الممارسات التقليدية والاقتصاديات التي اعتدنا على سخاءها.
ارتفعت قيم منتجات بديلة لم نكن ندرك قيمتها وساهمت كثير في ارتفاع أسهم دول في الموشرات المختلفة بغض النظر هل تلك الدول "نامية أو متقدمة ".
إن الاستثمار في القوة الناعمة وخلق منتجات الابتكار جعلت بعض الدول تملك "ميزة تنافسية" تدخلها حلبة السباق وتكون لها "قيمة مضافة" وتعود عليهم بالنفع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. القوة الناعمة والسمعة الجيدة لبلد ما، له أثر اقتصادي على المدى البعيد حيث أنه يجذب أموال المستثمرين، السياح، والكفاءات.
لذلك باتت سمعة الدول "على المحك" والتي كما عرفها باحثون في إدارة السمعة مثل تشارلز فومبرون Fombrun "مؤسس معهد السمعة Reputation Institute” " أنها "هدف" و "أًصل غير ملموس ذو قيمة مضافة". وتركز على الانطباعات الطويلة الأجل للمؤسسة المبنية على العديد من الصور الذهنية المتراكمة والأعمال التجارية، وبناء عليه، تتطور السمعة من تفرد هوية الشركة التي تتم صيانتها بمرور الوقت، والتي تقود مكونات إلى اعتبار المنشأة جديرة بالثقة ومسؤولة”. وبناء على ذلك تعتبر الهوية "أساس السمعة" لأن تقيم الجمهور يعتمد بشكل كبير على تلك المقارنات مع المنافسين، فإن الصورة الشاملة تتبلور من المواقف والمشاهدات لما تفعله الشركة في إطار هويتها المحددة لتنتج صور مترابطة عن هذا الكيان، يجعل منه كيان متفرد لا يشبه نظيره.
ليس على طريقة "ويليام شكسبير" بل هذه المرة على طريقة المسرح الاقتصادي العالمي، وكيف تلعب "جودة الحياة" دور البطولة في قياس تنافسية الدول ورفاهها الإجتماعي، وبالتالي صعودها أو هبوطها في مؤشرات الأداء العالمية .. اليوم يلعب "الترفيه" أيضا دورا بارزا في إدارة كفة الصعود بالسمعة الدولية .
ولكن صراعات اليوم بين الدول والمنظمات الدولية لخلق بيئة متزنة اقتصادية مستدامة جعلت الدول اليوم تشبه الشركات في ممارستها، فهي مطالبة ب ناتج محلي يضمن لها جودة حياة شعوبها، ومساهمات إنسانية تضمن استدامة البشرية بغض النظر عن حدودها الجغرافية. حتى وقت قريب كان مفهوم "السمعة" يطبق أساسًا على الشركات لا البلدان. ولكن بما أن الدول تحرص على تحديث استراتيجيات لضمان الاستقرار والاستدامة في الداخل والخارج، باتت إدارة السمعة ب مفهومها الاستراتيجي ضرورة.
المملكة اليوم تشهد مرحلة ترتيب الأوراق والأولويات المحلية والدولية في كل القطاعات والاهم من هذا كله قياس وضعها وتحديد نقاط قوتها وضعفها لتحديث استراتيجيتها بما يليق بمكانتها كدولة ضمن أهم ٢٠ دولة اقتصادية. والأهم من هذا أن مؤشرات السمعة والقوة الناعمة تساعد الدول النامية في التركيز على نقاط قوتها بغض النظر على مكانتها الاقتصادية مما يعزز فرصها في المنافسة والتفرد العالمي في منتجاتها التي تصدرها للعالم سواء منتجات أو تجارب حية على أرضها أو من خلال ثقافتها. وكل هذا من اجل تعظيم القيمة المشتركة بين الأمم
لنبني أسس أفضل، مدن أجمل، مجتمع ذو جذور أعمق.
تحتل اليابان المرتبة الأولى في مؤشر ال Future brand index 2019 "والذي يعتمد في تحليلها بشكل كبير على تقارير المنظمات الدولية" ، ويعود حفاظ اليابان على مكانتها منذ عام ٢٠١٤ حتى اليوم بالدرجة الأولى الى هويتها الواضحة الملامح مما عزز سمعتها بين السياح والمقيمين والمستثمرين كذلك. واستدامة هذه المرتبة لليابان اعتمدت بشكل كبير حسب المؤشر لهذا العام على تصدير ثقافتها من خلال علاماتها التجارية والتسويق لنفسها كدولة ابتكارية في المجال التكنولوجي. مثال أخر كذلك، "جودة الحياة" والتي تعد ركيزة أساسية في مؤشرات السمعة، والقوة الناعمة والعلامة التجارية، فقد أختلف شكلها عن الأمس بحيث اصبحت الرفاهية اليوم ليست بالثراء المادي بل بالتجارب التي تعاش ، فالبعض يسافر ليعيش ثقافة جديدة في بلد وفي أماكن تقليدية وتاريخية ما بدل من الفنادق الفاخرة.
الشركات اللوجستية التي قدمت لنا مفهوم حديث للرفاهية في قطاعات (الضيافة، التكنولوجيا، و المواصلات) كلها قطاعات إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية في حقبة ما بعد الثورة الصناعية الرابعة. فكرة "جودة الحياة" هو مزيج من المرونة والحرية والتجارب الأصيلة. حسب تقرير Future brand index 2019، جودة الحياة عنصر متزايد الأهمية مقارنة بعناصر المؤشرات الأخرى في تفضيل بلد عن الأخر.
سلوفاكيا دولة قفزت في المؤشر ٢٤ نقطة في اقل من ٥ سنوات والسبب هو تركيزها على جذب السياح من خلال تسويق جمال مدنها وتصدير ثقافتها وفنونها وطعامها. ومشت على خطاها دول مثل هنجاريا و رومانيا، كما تنبأ التقرير أن تلك الدول ستسحب البساط من دول أوروبا الغربية في جذب السياحة وأموال المستثمرين. وفعلا هذا ماحصل حيث أن ارتقاء مستوى جودة الحياة ساهم في جذب عمالقة شركات السيارات Kia, Volkswagen, and Peugeot-Citroen لتفتتح مصانعها في سلوفاكيا، مما عاد عليها بألاف الفرص الوظيفية والمليارات، حيث وصل حجم استثمارات شركة كيا وحدها ١ مليار يورو وعدد موظفين شركة Volkswagen حوالي ١٤ ألف موظف.
وفي أمريكا الجنوبية دولة مثل البيرو تشهد نهضة في الاستثمار في منتجاتها الثقافية، ولعل سفير الطهي البيروفي "غاستون أكوريو" وضع بصمته لتصدير الثقافة البيروفية من خلال أطباقه الشهية التي استلذ بها العالم. ناهيك عن عراقة موقعها السياحي الأشهر Machu Picchu والذي يعتبر من أشهر مقاصد السياح في البيرو والذي سجل كموقع تراثي في اليونسكو.
الابتكار في خلق تجربة ترفيهية فريدة في أفكارها عميقة في حضارتها وثقافتها في السعودية قد لا يدرك البعض مدى أهميته، فقد أطلقت هيئة الترفيه العالم موسم الرياض وعلى مدار أكثر من شهرين لتجمع أبناء وزوار المملكة في قلب العالم "الرياض" لتشهد العالم على تجربة الترفية العميقة وتلفت أنظار العالم ل ثقافتنا وقيم شعبنا الأصيل. نعم فإن أصالة الشعوب وانفتاح قلبها ل ضيوف العالم يعتبر من أهم عناصر مؤشرات السمعة والعلامة التجارية للأوطان.
فحسب تقرير مؤشر البلدان الأفضل سمعة “The RepTrak Index: The World’s Most Reputable Countries” والذي يضع ثقل كبير في تصنيفه للدول على انفتاح شعوبها وترحيبهم بالشعوب الأخرى، وجمال ومتعة تجربة زيارة البلد، وأسلوب الحياة الفريد فيها. وتصنيف المملكة عام ٢٠١٨ في هذا المؤشر ال ٥١ من بين ٥٥ دولة وهذا طبيعي بحكم شبه انعدام السياحة في السعودية ، والسؤال المهم كم ستقفز المملكة من نقطة في هذا المؤشر بعد جهود وزارة الثقافة، هيئة الترفيه، و هيئة السياحة؟ كما اثبت تقرير مؤشر البلدان الأفضل سمعة، أن تحسين الأداء في عنصر واحد في المؤشر ورفع الترتب نقطة واحدة فيه، سيساهم في تحسين اقتصاد الدولة بنسبة 0.9%. ،من المتوقع حسب قراءات المؤشر والجهود الجبارة التي نراها اليوم لتحقيق جودة حياة أفضل أن تكون للسعودية قفزات عالية في مؤشرات السمعة، القوة الناعمة، العلامة التجارية والابتكار، خاصة مع التزام هيئة الترفيه بقيمة "الابتكار" والخروج عن "كما جرت العادة" ويقينها في ذلك بأن "المستحيل" ممكن تحقيقه على أرض الواقع .
باختصار، هيئة الترفيه تحاول أن تكتب للعالم قصة مشوقة عن تجربة وطن سيرويها التاريخ يوما ما تسعي من خلالها الاستثمار في ثقافة عريقة سينتج عنها منتجات لا تقدر قيمتها بحجمها بل بعمقها ، وسندرك الثقل الاقتصادي لما نشير له في المستقبل، فقد أثبتت الأرقام أن قيمة الشركات المدرجة في سوق الأسهم الأوروبي ٧٣٪ منها "أصول غير ملموسة" وهي في غالبها عبارة السمعة والاصالة والعلامات التجارية.
وفي إطار ذلك يمكن القول أن الفرصة باتت سانحة بأن نأخذ زمام المبادرة في صناعة " منتجنا المحلي" بمواصفات "عالمية" وأن نصنع مؤشرا شاملا للترفيه في السعودية، وندعمه بالشراكات الدولية، ونخلق قيمة مضافة في صناعة الترفيه، وكما تقول توقعات خبراء الاقتصاد المدعمة بالمعرفة، ويساعدها الكم الهائل من المعلومات في عصر البيانات الضخمة، يظهر لنا أن "الترفيه" مرتكز اساسي في بناء سمعة الدول .