.
.
.
.

تديُّن المثقف وتثقُّف المتدين

محسن علي السهيمي

نشر في: آخر تحديث:

مؤكد أن حالة الانشطار الحاصلة بين فئتَي المثقفِين والمتدينِين ما كان لها أن تكون لو أن كل فريق آمن بالآخر، ونظر له نظرة إنصاف؛ بوصفه يحمل نمطًا فكريًّا يُشكِّل مع فكره حالةً من التكامل لا التضاد. الاختلاف في التوجهات والاهتمامات يأتي -من حيث المبدأ- بوصفه حالة طبيعية تتشكَّل بفعل عوامل ثقافية واجتماعية تُؤثِّر في الفرد وتجعله يسلك مسلكًا مغايرًا يصبح دالًّا عليه، غير أن الإشكالية تكمن في أن هذا المسلك لا يتوقف أحيانًا على حالته الطبيعية؛ بل يتخطاها، فيغدو مسلكًا إقصائيًّا، لا يقبل الآخر ولا يؤمن به وبما لديه من إمكانات وقيم، ويصبح منابذًا له، متبرئًا من كل سماته مهما كانت إيجابياتها، ولذا يرى سالم النعيمي في مقال له بصحيفة الاتحاد أن «من يصف نفسه بأنه مثقف، من المستبعد أن يكون إقصائيًّا، ويشرع في ازدراء الدين واحتقاره للتديُّن»، والحال نفسها يمكن أن تُقال بحق المتديِّن الحقيقي الذي يُستبعَد أن يكون هو الآخر إقصائيًّا، مزدريًا للثقافة، محتقِرًا للمثقفِين.

لا يتوقف الأمر على فعل المنابذة من كل طرف للآخر وهو الفعل الذي بالإمكان أن تخففه حالتا المثقف والمتدين (الطبيعيتان)؛ إنما وصل الأمر -وهنا مربط الفرس- إلى سعي كل من المثقف والمتدين لتجريد نفسيهما مما يتماس مع سمات الآخر الفكرية والسلوكية حتى وهي ضمن إطارها الطبيعي، حتى أصبحنا أمام فئتين متضادتين في كل شيء، وكل فئة تدّعي وصلًا بالصواب، وترمي غيرها بالجهالة، حتى ترسخ لدى المجتمع أن المثقف لا يكون مثقفًا إلا عندما يكون مقصرًا في أداء العبادات، جاهلًا بكثير من الأحكام الشرعية، وأن المتديِّن لا يكون متدينًا إلا عندما يكون نابذًا للثقافة والفكر، متجنبًا مَواطنهما. هذه الأحكام والتصورات وما على شاكلتها أتت نتيجةً طبيعيةً لممارسات بعض المثقفِين والمتدينِين الذين رسَّخوا تلك السمات -وغيرها من السمات التي لا تتماس مع القِيَم الحقيقية للثقافة والتديُّن- من خلال تمثلها التام والتشديد عليها، وكأنهم يريدون بهذا أن يرسِّخوا مفهومَي المثقف والمتدين ويحصروهما في تلك السمات.

لعل العلة في إصرار بعض المثقفين والمتدينين على توسيع حالة الانشطار جاءت حتى يضمن كل فريق البقاء في الصورة، ويضمن بقاء الحشد والأتباع، ويضمن الكثير من الامتيازات التي تترتب على البقاء على تلك الحال، وربما يعود الأمر لتراكمات نفسية مسبقة. لعل السؤال المفترَض هو: ألا يمكن أن يكون المثقف متدينًا والمتدين مثقفًا؟ بلى، وهذا هو الوضع الطبيعي للإنسان المتوازن الذي يعمد للوسطية دون مَيل لطرف أو الإيغال فيه على حساب الطرف الآخر، ولعلنا نجد في المفكرَين العقاد وطه عبدالرحمن مثالًا للمثقف المتوازن الذي لم تدفعه براعته في ميادين الثقافة والفكر للتخلي عن مبادئه وقيمه الدينية أو منابذتها، ونجد في القاضي ابن رشد والعالِم ابن تيمية مثالًا واضحًا على أن التدين والبراعة في علوم الدين لا تتنافى مع الثقافة والفكر وتحصيلهما.

الأمر الأهم هو أن المتدين غير المثقف قد يكون على رأي هاشم الصالح في مقال له بصحيفة الاقتصادية «عقبة، ليس فقط في طريق بناء شخصيته وبناء مجتمعه، بل عقبة في طريق الدين ليأخذ موقعه الصحيح في الحياة»، ويؤكد على أن «المتدين المثقف أكثر وعيًا من المتدين غير المثقف»، وفي المقابل يرى علي شريعتي في كتابه «الحسين وإرث آدم»، «أن المثقف المتدين على العكس مما يتصوره المثقفون المتغربون البعيدون عن الواقع، فإن المثقف الواعي المتدين الذي يبحث عن آماله وطموحاته الإنسانية في إيمانه وعقائده ونصوص ثقافته الدينية يعيش وسط المجتمع المتدين أكثر غربة ووحدة؛ لأن عرض الدين بشكلٍ واعٍ يبعث على التحرك والتنوير». فهل تدرك الفئتان خطر الانشطار الفكري والتباين المجتمعي الذي تسببتا فيه، وتبادران برتق الفتق؟.

* نقلا عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.