.
.
.
.

كورونا والتناقضات العالمية الكبرى

د. عبدالله الفرج

نشر في: آخر تحديث:

توقع العالم، أو الطبيون فيه، إن جائحة كورونا سوف توحد جهود العالم من أجل التصدي لها. ولكن ذلك لم يحدث إلا على نطاق ضيق، عندما قدمت بعض الدول معونات صحية للدول الأكثر تضرراً بالجائحة- غير أنها سرعان ما اختفت لتحل محلها ظاهرة أخرى، هي الصراع بين الفضاءات الاقتصادية الكبرى ومحاولتها تسخير هذه الجائحة لتعزيز مواقعها في النظام العالمي. وهذا ينسجم مع منطق الأمور- فتاريخ الحضارة الإنسانية هو سجل من الصراعات بين مراكز القوة فيه من أجل السيطرة.

بالفعل فإن السباق بين الفضاءات الاقتصادية الكبرى قد تسارع لتعزيز مواقعها مستفيدة من الخلخلة الصحية. فبدلاً من أن تتضامن هذه الفضاءات مع بعضها وتقدم الدعم والمساندة لمواجهة (كوفيد-19) بدأت ترتفع نبرة الاتهامات لتختلط بالتالي الحرب "الصحية" العالمية التي يتنافس فيها الجميع من أجل الخروج منها بأقل الأضرار، مع سعي الدول الكبرى للتنافس والاصطفاف من أجل تعزيز مواقعها في النظام العالمي الأخذ في التشكل.

ومثلما يبدو، فإن هذه الجائحة سوف تنتهي كجائحة بعد أن تتحول إلى مرض موسمي مثل الانفولنزا، ولكن الصراع بين الفضاءات الاقتصادية الكبرى سوف يستمر. فهو مثلما لاحظنا، كان يسير جنباً إلى جنب مع حالة الاستنفار الصحي وتصاعد أرقام المصابين والضحايا. فكورونا، مثلما نرى، قد تم استغلالها وتبويبها إلى فصول من أجل تصعيد التناقضات وتأجيجها.

ولذلك فإن الصراع الذي لم يكد ينتهي في العام الماضي بين الولايات المتحدة والصين سوف يتصاعد خلال هذا العام مجيراً كورونا لخدمته. وأنا سبق وأن كتبت في العالم الماضي أن الحروب التجارية سوف تتطور وتتحول إلى حروب مالية- وهذا ما نلاحظه. فالأصوات بدأت ترتفع بخصوص تصفير ما لدى الصين من مبالغ ضخمة في سندات الخزينة الامريكية. من ناحية أخرى، هناك دلائل تشير إلى أن الصين في طريقها إلى استحداث اليوان السيبراني وتحويله إلى عملة عالمية، وذلك ليتناسب مع حجم اقتصادها.

وهكذا فإن جائحة كورونا لم تتمكن من إطفاء ما لدي العالم من تناقضات. فنحن إذا أخذنا وزن الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي في الاقتصاد العالمي فسوف نجده عند 15 %، في حين أن مساهمة الدولار في المدفوعات العالمية تصل إلى قرابة 40 % وبالعكس، فإن الصين التي يصل وزن ناتجها المحلي الإجمالي إلى 19 % لا تستخدم عملتها في المدفوعات العالمية إلا بنسبة 2.2 %.

وهذا التناقض، لا يمكن لكورونا أو غيرها أن يخفف منه. فالتوتر بين البلدين سوف يستمر حتى يتم تغيير الوزن المالي العالمي لكل منهما بما يتناسب ووزن اقتصادهما في العالم.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.