.
.
.
.

تجاوز آثار التستر حدود قانونه

سعود المريشد

نشر في: آخر تحديث:

لم تمض سوى أيام على الاحتفاء بصدور توجيه المقام السامي الكريم بتشكيل لجنة وزارية لتتولى الإشراف على «البرنامج الوطني لمكافحة التستر التجاري»، وكذلك الموافقة الملكية الكريمة على صدور «نظام التستر» الجديد، لتطالعنا الصحف بخبر إطاحة شرطة منطقة الرياض بتنظيمٍ عصابي من جنسية عربية تستر عليهم مواطنين ومكّنوهم من عمليات التحويل عبر حسابات بنكية لمؤسساتهم الفردية المسجلة بأسمائهم مقابل عمولات مالية، حيث تجاوزت المبالغ المالية التي تم تحويلها خلال العام الحالي فقط، نصف مليار ريال، وضبط بحوزتهم مبالغ مالية قاربت مليوني ريال مجهولة المصدر.

هذه القضية مثال واقعي لتبعات استشراء التستر على الوافدين والذي بسببه أثر بعض المواطنين والذين نجامل لو قلنا إنهم قلة الرضا بالمكسب المادي القليل دون أدنى اعتبار لوازع ديني أو واجب وطني أو رادع عقابي؛ فالتستر يبرز نوعا من الآثار المزدوجة على المواطن ومفاصل الاقتصاد، فالمواطن الراغب في العمل التجاري أن تمكن من مباشرة نشاطه وتخطي ما سيلحقه من استنزاف لأمواله في مرحلة التأسيس نتيجة استشراء التستر وسيطرته على جميع الاعمال، فإنه لن يقدر على مجابهة ما يبرزه التستر من منافسة غير مشروعة على بيئة العمل والأعمال النظامية؛ ويتجاوز أثر التستر على الاقتصاد الوطني نتيجة خروج الأموال المبرمج وتقديم المكسب على التطوير وإغراق الأسواق بالسلع والأدوات والخدمات المقلدة والسيئة، هذا فضلا عن ما يبرزه تحييد للجهود التي تبذلها الدولة للمحافظة على تنافسية المناخ الاقتصادي للوطن ومقومات الثقة فيه وتقويض لعمل برامج رؤية الوطن ومستهدفاتها.

القضية المذكورة أعلاه ليست مجرد قضية تستر فحسب، ذلك أن طبيعة هذه الجريمة المركبة وقيمة المبلغ الكبير فيها يتجاوز ما ورد في نظام التستر من أحكام لتدخل حتما منطقة جرائم غسل الأموال أو وهو الأسواء تمويل الإرهاب؛ فحجم المبلغ، ومصادره، والغرض من إخفائه، وهل سبقه غيره، وأسباب سهولة تحويله، وأسباب فشل تطبيق الضوابط الخاصة باليقظة والحيطة تجاه العملاء في المؤسسات المالية وغير المالية؟! وغير ذلك من الأسئلة المنطقية، كفيل بالمحافظة على سمعة الوطن ومركزه الاقتصادي والثقة في أنظمة مؤسساته، وتجنيبه المخاطر باعتباره عضو فعال في مجموعة العشرين ومجموعة العمل المالي الدولية (الفاتف)؛ ولهذا نقول ليس لدينا نقص في التشريعات الموضوعية والإجرائية لمحاصرة الجرائم الاقتصادية إجمالا، لكننا ما زلنا في حاجة إلى التفاتة صادقة ممن يحرص على المصداقية في تفعيلها والحزم في تنفيذها على أرض الواقع، فما يحصل من تكتلات اقتصادية تحت غطاء التستر وتهريب للأموال خارج الوطن هو في حقيقته نهب فاضح لخيراته وله كلفته المزدوجة وأبعاده المتعددة، في ظل عدم المتابعة وتراخي المكافحة ممن أوكل له أمرها.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.