.
.
.
.

العودة إلى المدارس

زياد آل الشيخ

نشر في: آخر تحديث:

يعود أبناؤنا الطلاب اليوم إلى التعليم في المدارس افتراضياً بعد أن صدر قرار الوزارة بالتريث قبل عودتهم إلى الفصول. وتزامناً مع عودة الطلاب إلى الدراسة، يعود الموظفون إلى مكاتبهم بعد أن انخفض تصنيف الخطورة الذي تتولاه وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية إلى الأخضر. معنى ذلك أن الحياة تعود تدريجياً إلى مجاريها مع نجاح الإجراءات التي اتخذتها الدولة والتزم بها المجتمع وظهرت نتائجها في أرقام العدوى التي تتناقص باستمرار. والمأمول أن يلتزم الجميع في عودتهم بالإجراءات الوقائية لتفادي أي ارتفاع ولو طفيف في العدوى كما جرى ذلك في أوروبا وأميركا.

والحياة تعود إلى طبيعتها، ما معنى ظهور اللقاح بعد عدة أشهر من الآن؟ يقال إن تصل متأخراً خير من ألا تصل، والمعاني في ذلك من ثقافتنا كثيرة، فالغائب حجته معه، ومن وصل لم يطل. واللقاح الآن في فترة اختبار لا تعرف على وجه الخصوص نتائجها، فإذا وصل اللقاح فلن يوجه لكل شرائح المجتمع. فالاختبارات التي تجرى على اللقاحات استثنت فئتين؛ صغار السن وكبارهم. فمن المحتمل أن تصنع لقاحات تناسب من هم دون الخامسة عشرة وفوق الستين بعد إجراء الاختبارات الخاصة بفئتهم لاحقاً. والجدل الذي يجري اليوم حول اختلاف نسبة الإصابة حسب العمر طويل ولا طائل منه، إنما سيساهم اللقاح في الحد من العدوى برفع نسبة حصانة المجتمع عموماً.

ومع عودة الحياة إلى طبيعتها، سيلتفت الكثير منا ليراجع التنبؤات التي تطايرت كالألعاب النارية مع بدء الجائحة. فها هي الجائحة تنحسر، فهل حقاً ستؤثر العزلة التي مرت بنا فتقلب مجتمعنا واقتصاده كما قيل؟ هل سنكف عن المصافحة والعناق كما هي عادتنا للمشتاق والغائب والحبيب والقريب والغريب وعابر السبيل والسائل والمحتاج القانع والمعتر، ونعتاد السلام تلويحاً، ونعانق بالإشارة ونرقع النقص بالعبارة؟ ربما يصعب أن نبدل عاداتنا الاجتماعية، فهل عاداتنا الأخرى ستتغير؟ هل سيكون العمل عن بعد خياراً حقيقياً للموظفين؟ فبعد أن كانت خياراتنا محدودة بين الاتصال الهاتفي والاجتماع الحضوري، أصبح الاجتماع الافتراضي خياراً معتبراً، خصوصاً لمن ابتعدت بهم الشقة ولو كانوا في مدينة واحدة. أم سنعود إلى ما كنا عليه كعودة المسافر إلى وطنه، فنعوض ما فاتنا من الاجتماعات الطويلة التي ليس فيها بارقة أمل بالانتهاء، والمناسبات الاجتماعية الكبيرة التي تأكل من وقتك الأخضر واليابس؟

عوداً على بدء، سيقضي أبناؤنا الأسابيع القادمة في التعلم عن بعد، وعسى أن تكون الأسابيع هذه هي آخر الجائحة. ومع ذلك، فقد تمنح تجربة التعليم الافتراضي أبناءنا فرصة الاعتماد على أنفسهم بالتعليم الذاتي فهو ما يتبقى لهم بعد إكمال المراحل التعليمية كلها. فكل الذين يجلسون في المكاتب المغلقة ويعملون خلف ستار من البيروقراطية السميكة هانئين قانعين، يمارسون التعلم الذاتي -كما أظن وأرجو- فهي السبيل الوحيدة للتطور المستمر، لهم ولمؤسساتهم.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.