.
.
.
.

العقد الماضي.. انتصارات الدولة الوطنية

يحيى الأمير

نشر في: آخر تحديث:

ربما كان العقد المنصرم الأشد تعقيداً والأكثر حدة في تاريخ المنطقة، هذه البقعة من العالم التي لديها تاريخها الخاص وجغرافيتها النوعية ومكانتها المحورية للعالم. هذه المنطقة التي اتخذت خلال القرن الماضي مكانة مهمة في العالم وأصبحت لاعباً محورياً في الطاقة وفي الاقتصاد، وأصبحت أيضاً مصدراً لكثير من الأزمات والأحداث الكبرى.

لكن السنوات العشر الماضية ربما كانت الأقسى والأكثر دراماتيكية في تاريخ المنطقة، وربما ستمثل أيضاً المرحلة الأكثر تأثيراً في مستقبل المنطقة للعقود المستقبلية القادمة.

مثّل بداية العقد المنصرم أضخم تحد واجهته المنطقة، حيث شهد انطلاق موجة الثورات والتحولات الكبرى تحت العنوان الحالم العريض: الربيع العربي.

كانت المرة الأولى في تاريخ المنطقة التي يصبح فيها الشارع (ظاهريا) لاعباً ومؤثراً فاعلاً في تغيير المعادلات وموازين القوى في كثير من بلدان المنطقة، إذ طالما ظلت التحولات السياسية تقودها النخب والأحزاب بمختلف تجلياتها.

كان ذلك هو عامل الجذب الأكبر والعنصر التسويقي الأخطر لمشروع الثورات والأحداث التي شهدتها مختلف الميادين في مختلف العواصم في المنطقة. ساعد ذلك التحول الكوني الكبير الذي شهده العالم في أدوات الاتصال والتواصل الاجتماعي، وتم تقديم الشارع الثائر على أنه يمثل طاقات الشباب الجديد والجيل الجديد، و(شباب الفيسبوك) وطلائع الحرية وغير ذلك من العناوين الجاذبة والنوعية والمؤثرة، والواقعية أحياناً.

الأوضاع القائمة - آنذاك - في كثير من بلدان المنطقة ساعدت على تمرير ذلك المشروع، لقد كان الوضع كارثياً للغاية في ليبيا مثلاً وفي سوريا أيضاً، ولم تكن كذلك في بلدان مثل مصر أو البحرين أو الأردن، بينما كانت أكثر كارثية في بلدان كالعراق ولبنان وإيران، لكنها لم تشهد أي مشاريع مماثلة نوعية ومدعومة من الخارج.

هكذا جاء (الربيع العربي) إلى المنطقة، وهكذا تم توجيهه ليصبح مشروعاً ذا أجندة تستهدف الدولة الوطنية وتسعى لإعادة تركيب الواقع السياسي في المنطقة؛ وفق منظور عائم غير واقعي ويحمل رهانات خاسرة ومستحيلة ومدمرة، وهو ما انتهى إليه الواقع بعد ذلك.

ولأن المنطقة تضم تجارب مختلفة على مستوى الكيانات القائمة فقد كانت الاستجابة مختلفة، بين أنظمة انهارت سريعاً وبين أنظمة قاومت ذلك المشروع.

حقق ذلك المشروع انتصارات مؤقتة، وكان للتبني والدعم الذي قدمته الإدارة الأمريكية -آنذاك- دور محوري في تلك الانتصارات العابرة، وانخرطت في ذلك المشروع المدمر مختلف الكيانات والأنظمة المارقة في المنطقة؛ كان النظام الإيراني والنظام التركي أدوات وكيانات فاعلة في ذلك المشروع المدمر، ومع وجود بلدان في المنطقة كالعراق ولبنان ترزح تحت واقع سياسي واقتصادي مؤلم، لكنها لم تشهد أية ثورة ولم يطرق الربيع الحالم أبوابها لأنها كانت تحت هيمنة تلك الأنظمة الفاعلة في ذلك.

في عام 2011 هل كان الواقع المصري أسوأ من الواقع العراقي أو اللبناني مثلاً؟ على الإطلاق لكنها كانت توجهات وأهداف المشروع الذي استهدف إعادة بناء الخرائط السياسية في المنطقة وفق مشروع أعمى وغير واقعي.

بالمقابل ولمواجهة ذلك المشروع الكارثي، شهد العقد الماضي بروز أضخم وأهم تكتل مدني سياسي في المنطقة، إنه التحالف الذي قادته السعودية ومعها الإمارات، الذي مثل بداية المواجهة الفعلية مع مشاريع الخراب والفوضى وأسس لما يمكن وصفه بمحور الاستقرار والدولة الوطنية.

أدرك المحور الذي قادته السعودية أن المستهدف الأول في مشروع الفوضى هو الدولة الوطنية الحديثة. وأن الكيانات الفاعلة في ذلك المشروع هي الكيانات المرتبكة في المنطقة والمتورطة في مختلف الأزمات والإشكاليات والكيانات ذات المشاريع التوسعية المناهضة لمنطق وقيم الدولة الوطنية. كان التحدي الأكبر يتمثل في استعادة مصر، البلد المحوري في المنطقة، واللاعب الاستراتيجي الذي تم استهدافه بكل قوة إدراكاً لقيمته السياسية والجيواستراتيجية في المنطقة وفي العالم. تمت استعادة مصر وعادت لتكون شريكاً في محور الاستقرار والتنمية والدولة الوطنية.

وظفت تلك الكيانات المارقة كل الأدوات لإنجاح مخططها التدميري وكان إنشاء ودعم الجماعات الإرهابية أبرز وأهم أدواتها.

أحاطت الحرائق بالمنطقة في سوريا وليبيا واليمن، وتحرك محور الاستقرار لاستعادة ودعم الدولة الوطنية، تمت مواجهة المشروع الإيراني عسكرياً في اليمن والبحرين وفي الإقليم، وتحركنا سياسياً حول العالم لنقول لهم إن الرهانات غير الواقعية لن تنتج سوى الدمار والخراب.

اليوم ونحن نستشرف عقداً جديداً نحتاج أن ننطلق إليه من كل تلك التجربة، لقد أسسنا في السعودية واقعاً سياسياً جديداً في المنطقة واجه الإرهاب والتطرف والتشدد وبنى تحالفات واعية تنتصر للدولة الوطنية وتواجه مشاريع الفوضى والخراب.

الأعوام العشرة الماضية كانت الأكثر سخونة ومواجهة بين قيم الوطنية والاعتدال والحريات والتنمية وبين مشاريع الفوضى والخراب والتشدد والطائفية.. ولقد انتصرنا بكل جدارة لأننا الواقع والمستقبل ولقد انهزم ذلك المشروع لأنه بلا أفق وبلا رؤية.

إن المستقبل القادم في المنطقة والعالم هو للطموح والحريات والاعتدال والمدنية، وسنكون اللاعب الأبرز في كل ذلك لأن مشروعنا يكمن في كل ذلك ولأننا ننتمي للمستقبل.

* نقلا عن "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.