وزارة الثقافة.. عمل استراتيجي لبناء ثقافة مستدامة
أي متابع لنشاط وزارة الثقافة سيلحظ أنها منذ إطلاقها العام 2019م وهي تعمل على بناء منظومة إدارية شاملة لمجمل القطاع الثقافي السعودي، يتحقق من خلالها مفهوما الاستدامة والفعالية، ويشمل ذلك إقرار القوانين، ووضع الأنظمة التشغيلية، وتهيئة المواقع، وتأسيس البنية التحتية المتكاملة لبيئة ثقافية ينشط فيها المبدعون السعوديون بمختلف مساراتهم الإبداعية، وهذه مهمة ليست باليسيرة.
يمثل تنظيم القطاع الثقافي السعودي التحدّي الأكبر الذي يواجه وزارة الثقافة، كوْن هذا القطاع ظل معتمداً -لسنوات طويلة- على مشروعات منفردة ومشتتة دون رؤية موّحدة تصهر الجهود الثقافية في سياق وطني واحد يخدم الثقافة السعودية والمثقف السعودي بشكل مستدام ومتنامٍ. لذلك نقدّر الجهود التأسيسية التي تبذلها الوزارة الفتية من أجل تنظيم وتوحيد القطاع الثقافي. ولعل عملية تأسيس 11 هيئة ثقافية في وقت قياسي، تعد أكبر مثال على المسعى الاستراتيجي الذي تسير نحوه جهود الوزارة، إلى جانب الإعلان عن تأسيس مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية والبدء في حوكمته الإدارية والتشريعية، وإنجاز عدة مشروعات ثقافية كبرى مثل التفرغ الثقافي، والابتعاث الثقافي، وصندوق التنمية الثقافي، وتطوير المكتبات العامة، وإدراج أكثر من 400 مهنة ثقافية في التصنيف السعودي الموّحد للمهن، إضافة إلى دعمها لعملية إدراج تعليم وتدريب الفنون في مناهج التعليم بالتنسيق مع الجهات التعليمية الرسمية، كل هذه المشروعات وغيرها تقول لنا بأنها ماضية في بناء قطاع ثقافي حيوي وفعّال، يخدم الثقافة السعودية بمختلف مساراتها الإبداعية.
إن هذه الرؤية الاستراتيجية تعكس إيماناً بأهمية تأسيس البنية التحتية للمنظومة التي تدير النشاط الثقافي السعودي وتضمن نموّه واستدامته، والتي ستوفر أيضاً مظلة داعمة للمثقف السعودي تُلبي تعطّشه واحتياجه إلى مؤسسات ثقافية دائمة وفعّالة تمنحه الفرصة الكاملة لممارسة إبداعه بعيداً عن الومضات الخاطفة لمشروعات ثقافية مؤقتة جاءت وانتهت سريعاً في فترات سابقة. إن الأثر الذي سيتركه العمل الاستراتيجي للوزارة الفتية سيكون كبيراً في الفترة المقبلة، وهو عمل للمستقبل مرتبط برؤية شاملة أكثر من ارتباطه بومضات آنية خاطفة.
ورغم الوقت الذي يتطلبه هذا البناء الاستراتيجي لوزارةٍ نشأت من الصفر، إلا أن الفعاليات والمعارض والمبادرات لم تغب عن أرض الواقع، حيث رأينا في أول سنتين فقط من عمر الوزارة كيف نجحت في تقديم مبادرات عديدة، خلقت حراكاً في مختلف القطاعات الثقافية، منها على سبيل المثال لا الحصر؛ مبادرة "عام الخط العربي" التي حققت حضوراً اجتماعياً لافتاً، ومبادرة "الجوائز الثقافية الوطنية"، ومسابقة "ضوء" لدعم الأفلام التي دعمت إنتاج 28 فيلماً سعودياً، وإطلاق مشروع 16 / 13 لتأسيس مكتبة بصرية للنشاط الثقافي، وتنظيم معارض للفنون البصرية، إضافة إلى تدشين مبادرة المسرح الوطني، وغير ذلك من الأنشطة.
هذا إلى جانب الابتكار الخلاّق الذي صنعته الوزارة خلال بداية جائحة كورونا عندما قدمت مبادرات ثقافية متنوعة تحت شعار "الثقافة في العزلة"، ساهمت في تحفيز الفنانين والمثقفين والأدباء على استثمار فترة العزل الوقائي لإنجاز مشروعاتهم الثقافية، إلى جانب مساهماتها الدولية لتعزيز حضور الثقافة السعودية مثل جهودها في تنظيم أول لقاء وزاري ثقافي في قمة مجموعة دول العشرين والذي اعتمدته اليونسكو رسمياً ليكون ضمن الأجندة الرئيسة للقمم المقبلة، وإدراج المملكة العربية السعودية ضمن المجلس التنفيذي لليونسكو، وعضوية لجنة التراث الثقافي غير المادي، إلى جانب تسجيل "حياكة السدو" ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي في اليونسكو.
كل هذا العمل التأسيسي الشامل والمتنوع يتطلب منا نحن المثقفين التقدير والاستيعاب لمتطلبات البناء الاستراتيجي الذي يخدم الجميع على المدى البعيد، خاصة وأن الوزارة فعلت كل ذلك خلال أول سنتين من عمرها، في وتيرة نشاط غير مسبوقة، ولوزارة ناشئة وطموحة تعمل من أجل بناء قطاع ثقافي سعودي متطور ومستدام، يضمن خدمة المثقف السعودي وتمكينه وتوفير كل احتياجاته.
وهذا المسعى الكبير الذي تسير نحوه وزارة الثقافة إنما يؤسس لمفهوم جديد للثقافة يتجاوز كل الأفكار التقليدية السابقة التي لم تكن ترى في الثقافة إلا مجالاً محدوداً يرتبط حصراً بالأدب والكتب والكتابة، بينما هي في حقيقتها طيف واسع من المجالات الإبداعية المتنوعة التي كرّستها الوزارة خلال السنتين الماضيتين والتي شملت الأزياء وفنون الطهي والموسيقى والفنون البصرية والأفلام والمسرح والفنون الأدائية والتراث والمتاحف، إلى جانب الأدب والنشر والترجمة، وغيرها من المجالات التي أصبحت الآن قابلة للتداول على النطاق الاجتماعي كقطاعات ثقافية معتمدة وأساسية.
*نقلاً عن "الرياض"