دروس قيادية من الملك في قصة يوسف عليه السلام
اختلف المؤرخون هل الملك المذكور في قصة يوسف عليه السلام هو (زوسر) أول ملوك الأسرة الثالثة من الدولة القديمة (2649 قبل الميلاد) أو كان أحد ملوك الهكسوس الذين حكموا مصر ما بين 1648 إلى 1540 قبل الميلاد. وبغض النظر، فمقالة اليوم تسلط الضوء على عدد من الدروس القيادية لهذا الملك كما يلي:
الفضول ودقة الملاحظة: كان بإمكان الملك أن يتجاهل الرؤيا التي شاهدها للبقرات السبع السمان اللاتي يأكلهن سبع عجاف والسبع السنبلات الخضر والأخر اليابسات ولا يلقي لها بالا. ولكنه حرص على أن يعرف التأويل ويبحث في المعنى مما ساهم في إنقاذ مملكته وشعبه وشعوب المنطقة لاحقاً. وهكذا القائد الناجح الذي يهتم بمعرفة المشكلات الحالية واستشراف المستقبل ولا يتجاهل المعلومات والتقارير وردات فعل الجمهور والمستهلكين على مواقع التواصل تجاه الخدمات والمنتجات أو حتى في أرض الميدان إذا استلزم الأمر.
الاستشارة: لم يخجل الملك من سؤال من حوله واستشارتهم حول تعبير الرؤيا التي شاهدها خاصة وأنه ليس خبيراً في هذا المجال. ورغم أن من حوله بدؤوا بالقول بأنها أضغاث أحلام إلا أن ذلك قاد في نهاية الأمر للوصول إلى يوسف عليه السلام عبر الساقي الذي لم يتوقع أحد أن يكون الحل على يديه. ولذا فمن المهم عدم الاستهانة بالخبرات والمعلومات لدى الفريق وعقد جلسات وحوار عامة وعدم حصرها على المستويات العليا للإدارة والشركات الاستشارية وحدها.
التثبت والتأكد: قدر الناجحين والمبدعين أن يكونوا عرضة للافتراءات والظلم والأقاويل والمكايدات. وهذا ما حصل مع يوسف عليه السلام باتهامه بهتاناً بالتعدي على امرأة العزيز وسجنه بضع سنين. وفي الظروف العادية فهذه الأوضاع والاتهامات كفيلة بأن تجعل أي شخص عادي لا يبقي بالاً لقضية يوسف عليه السلام ولكن الملك حرص على التثبت والتأكد وسؤال النسوة اللاتي قطعن أيديهن وامرأة العزيز التي أقرت بأنها هي من راودت وظلمت. وهكذا القائد الناجح الذي يسمو على تصديق أنباء الفاسقين وافتراءاتهم ويحرص على ألا يصيب شخصاً بجهالة.
تقدير الكفاءات وتمكينها: لم يتردد الملك لحظة في أن يطلب قدوم يوسف عليه السلام ليستخلصه لنفسه ويكرمه ويثني عليه رغم أنه خارج حديثاً من السجن بعدما سمع تعبيره للرؤيا وخطته المقترحة للتعامل مع المجاعة. وهنا الفرق بين القائد الذي يقدر الكفاءات ويستقطبها ويمكنها وبين القائد الفاشل الذي يحارب الكفاءات ويعاديها ويضيق عليها حيث ينتهي الأمر بمغادرة الكفاءات أو انهيار المنظمة وضعفها.
التفويض ومنح الصلاحيات: لبى الملك طلب يوسف عليه السلام بأن يجعله على خزائن الأرض ومنحه التمكين والصلاحيات المطلوبة لينفذ الخطة التي اقترحها عند تفسيره لرؤيا الملك. ولك أن تتخيل كيف كان سيكون الوضع لو أن الملك تدخل في كافة التفاصيل أو لم يمنح الصلاحيات لتنفيذ الخطة. كان الأمر سينتهي بما نسميه الغرق في البيروقراطية بلغة عصرنا وتأخر القرارات والتنفيذ.
وختاما، إذا كان يوسف عليه السلام نجح باقتدار بتوفيق الله في تنفيذ خطته التي امتدت لخمسة عشر عاماً على الأقل لإنقاد شعب مصر وشعوب المنطقة وإنعاش الاقتصاد، فلا شك أنه يحسب للملك شجاعته في استقطاب ومنح الصلاحيات للشخص الثقة الذي كان أهلاً لتلك المسؤولية.
* نقلا عن "الرياض"