.
.
.
.

نعم.. النقص ولا الزود!

عبدالرحمن السلطان

نشر في: آخر تحديث:

تلفت نظري كخبير تواصل استراتيجي، الحملات التواصلية التوعوية المبتكرة، التي تعتمد على تطبيق محترف لإحدى نظريات التواصل الحديثة، مما يمكنّها من تحقيق وصولٍ ناجح وتأثيرٍ ملموس بأقل التكاليف، ومنها حملة "النقص ولا الزود"، من وزارة البيئة والمياه والزراعة والمؤسسة العامة للحبوب.

جاءت الحملة لتؤكد التحوّل التواصلي اللافت للوزارة خلال الأشهر الماضية، إذ اكتملت أركان الحملة الاتصالية بشكل منهجي، بارتكازها على تطبيق نظرية تواصل حديثة، هي: "مخالفة التوقعات EVT" لعالمة التواصل الأميركية "جودي بورغون"، التي ترى أن التواصل عبارة عن تبادل للسلوكيات، إذ يمكن استخدام سلوك ما لخرق توقعات الآخرين، مما يلفت نظرهم إيجاباً أو سلباً، بناءً على العلاقة أو النظرة إلى الانتهاك بشكل إيجابي، مما يُجبر المتلقي على سلسلة من التقييمات المعرفية للمخالفة التي حدثت، وتتنبأ النظرية أن هذا يساعد على تغيير سلوك المتلقي.

البداية كانت من الاختيار الموّفق لممارسة "الهدر"، الذي يتوافق مع مستهدفات المملكة، فالتوقّف عن الهدر يعزز الأمن الغذائي ويحافظ على الموارد، ويساعد على التوازن المالي للأسرة، ناهيك عن تعزيز صادرات المملكة وبالتالي الميزان التجاري، والأروع توافق الحملة مع حلول شهر رمضان المبارك.

بالتأكيد يقف وراء هذا النجاح فريق تواصل مؤسسي محترف، اعتمد خطة تواصل استراتيجية واضحة، وابتكر شعاراً لافتاً ورشيقاً، يخالف توقعات الجمهور، بقلب المقولة الاجتماعية المحليّة: "الزود ولا النقص" لما يحقق حفظ النعمة، ليسهل وصول الرسالة، كونها محلية المنشأ والإنتاج. مما قاد إلى الانتشار، ومن ثم تحقيق التأثير.

ناهيك عن الهوّية الاحترافية، التي اعتبرت نقص الإسراف أمراً إيجابياً برمزية (+)، بينما رمزت للزود والإسراف بــ(-)، فضلاً عن اختيار اللونين اللافتين: الأحمر كما لو كانت إشارة مرور للتوقف، والأخضر كناية عن الخيار الصحيح! ثم حصر رسائل اتصالية مركزية محددة، وطرحها بأكثر من أسلوب وقالب إعلامي، مما أدى إلى رسوخ الرسائل وتبني الجمهور لها.

ومما يدل على التخطيط المبكر حشد الدعم من حسابات الجهات الحكومية والخاصة، بمحتوى مخصص لكل جهة، حتى تصل الرسالة إلى الجميع، معززة بالأرقام والإحصاءات الوطنية والعالمية.

كانت الحملة فرصة ذكية لتسليط الضوء على "البرنامج الوطني للحد من الفقد والهدر في الغذاء"، الذي يتجاوز مجرد دراسة واقع الفقد والهدر، أو التوعية والتدريب على تفاديه، إلى دراسة قدرات إعادة تدوير المخلفات الغذائية! ورغم أن الحملة أبرزت أن الفرد يهدر في المملكة نحو 184 كلجم سنوياً، بناءً على دراسة أجراها البرنامج، إلا أنه كان من المتوقع شرح المنهجية العلمية لاحتساب الرقم بلغة المتابع البسيط، بدلاً من نشر الدارسة العلمية كاملة!

أتمنى من فريق التواصل بوزارة البيئة تدوين مراحل ودروس الحملة، التي أبدعتها عقول وطنية، ثم مشاركتها مع أقسام الإعلام بجامعتنا والقطاعات الحكومية الأخرى، حتى يستفاد من أسرار نجاحهم الاتصالي، وقدرتهم تبني نظرية علمّية، قادتهم إلى أن تمسي الحملة حديث المجتمع السعودي.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.