.
.
.
.

نعمة توحيد الوطن

حمزة الطيار

نشر في: آخر تحديث:

من نعم الله على عباده أن يُغيّر أحوالهم من ضيقِ حالٍ إلى رخائه، ومن خوفٍ إلى أمنٍ، ومن شتاتٍ إلى اجتماعِ كلمةٍ، ومن فشوِّ الأمية إلى فشوِّ التعلُّم، ومن تأثر بقرار الآخرين إلى تأثير في قرار الآخرين، وبتوحيد هذا الوطن الغالي المملكة العربية السعودية نقل الله مجتمعنا من كل تلك الصعوبات المذكورة ونظائرها إلى النعم المذكورة ونظائرها، فبدأ المجتمع يجني ثمار التوحيد واجتماع الشمل من أول يومٍ من هذا الحدث المفصلي، وبالتدرج توالت عليه البركات الناتجة عن ذلك، حتى أصبحت دولتنا دولة ذات ثقل عالمي لها اعتبارها ووزنها المرموق، وأصبح المواطن فيها مغتبطاً بمقدرات وطنه ومنجزاته، ومحلَّ عناية واهتمام دولته مما يُوفِّرُ له حياة ًكريمةً، ويضمن له التمتع بالأمن والطمأنينة، ومن الواجب علينا إعظام هذه النعمة التي أنعم الله بها علينا، والمحافظة عليها والسعي إلى رفع رصيدنا منها في المستقبل على الوجه اللائق بها، وفيما يأتي وقفات تُجسِّدُ ما ينبغي من العناية بهذه النعمة:

أولاً: من مظاهر شكر النعمة الاعتراف بها وعدم نكرانها، وغمط النعمة وكفرانها من أهم أسباب سلبها، وهو على مراتب فأخطره التشكيك في النعمة وغمطها والتزهيد فيها، ودعوى أن لا جديد فيها، وأن الحال قبلها كالحال بعدها، والعكس بالعكس فالاعتراف بها وشكرها من أسباب بقائها، وأحسن مثال للأمرين حديث الأبرص والأقرع والأعمى الذين منَّ الله عليهم بالشفاء، وأعطاهم المال فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنْ إِبِلٍ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ بَقَرٍ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ غَنَمٍ، ثم ابتلاهم -وهو أعلم بحالهم- فبعث إليهم الملك ثم أَتَى الأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ، تَقَطَّعَتْ بِيَ الحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلاَ بَلاَغَ اليَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الحَسَنَ، وَالجِلْدَ الحَسَنَ، وَالمَالَ، بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الحُقُوقَ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: لَقَدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ، وَأَتَى الأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ لَهُ: مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، فَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ، وَأَتَى الأَعْمَى فِي صُورَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ وَتَقَطَّعَتْ بِيَ الحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلاَ بَلاَغَ اليَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ بَصَرِي، وَفَقِيرًا فَقَدْ أَغْنَانِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لاَ أَجْهَدُكَ اليَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ أَمْسِكْ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْكَ، وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ" جزء من حديث متفقٌ عليه، فهذا الأعمى اعترف بفضل الله عليه وأنه نقله من الضيق إلى السعة فحفظ الله له بذلك نعمته، أما صاحباه فجحدا النعمة عليهما فزالت.

ثانياً: كما يجب الاعتراف بالنعمة يُشرعُ التذكير بها، وذلك لأن التذكير مَظِنَّةُ أن لا تُنسى وأن لا يُغفلَ عنها، وقد قصَّ الله علينا في كتابه تذكير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لقومهم بنعمة الله عليهم، فهذا موسى عليه السلام يُذكِّر قومه بالنعم المتنوعة الشاملة للمادية والتمكين والرفعة الدينية: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ)، فلا ينبغي أن نغفل عن أن نتبادل التذكير بما تفضَّلَ الله علينا من النعمة بتوحيد بلادنا واستقرارها وازدهارها، خصوصاً أن مبادلة أطراف ذلك الحديث في المجالس والملتقيات من شأنه أن يُعمِّقَ عظمة هذه النعمة في النفوس؛ لأنَّ فلاناً قد يملك من أدوات التعبير عنها ويعرف من تفاصيلها ما ليس عند فلان، وأيضاً على الأسر أن تربِّي الناشئة على هذا، وأن لا تكتفي بما يدرسون ويقرؤون من أخبار الماضي، فالإنسان يتأثر بالفكرة التي أُشْرِبها من أبويه أكثر من أيِّ شيءٍ آخر.

ثالثاً: يجب علينا السعي لإبقاء هذه النعمة وتنميتها وتقويتها، ومما يُعينُ على ذلك أن نتخذ لنا قاعدةً مفادها أن أهم مكتسباتنا هو وحدة الصف والسمع والطاعة لقيادتنا المباركة، وتفخيم شأن دولتنا في نفوسنا بحيث لا تُقارن مصالحها بالمآرب الخاصة البتة، فلا يُقبلُ من أيِّ فردٍ منا أن يُقايض مصلحة الوطن واستقراره بمصلحته، بل علينا أن نجزم بأن مصالح الوطن من صميم مصالحنا، فكل ما يرفع وطننا ويحميه، فإنه يرفع كُلَّاً منا ويحميه، وكل ما يُتخيل أن فيه مصلحة لفلان وفيه مفسدة للوطن فإنه مفسدة للشخص نفسه من حيث لا يشعر، والذي تخيَّلَهُ مصلحةً إنما هو سرابٌ منزوعُ الفائدة بمجرد تعارضه مع مصلحة الوطن.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.