ذكرى في الطابق السابع

غادة الفهد
غادة الفهد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

في يوم الخميس، الساعة الثالثة عصرًا، في التاسع والعشرين من ديسمبر، وفي أواخر سنة 2022.. من مصر الحبيبة "أم الدنيا"، حيث الأجواء الباردة تغطي سماء تلك الأرض الطيبة، ومن القاهرة عاصمة الجمال والفن والتاريخ والحضارة، ومن وسط شوارع حي الزمالك العريق، كانت تقلّني تلك السيارة الصغيرة ذات اللون الفضي، تنقلني لتأمل تلك التفاصيل الصغيرة في الشوارع، والطرقات، والأشخاص من حولي، كان كل شيء بداخلي يدعو للتساؤل والفضول عن العيش بكل ما تحمله الكلمة من معاني عن البساطة والسرور.

وصلت إلى تلك العمارة القديمة ذات الطوابق المرتفعة المغطاة باللون الأبيض والنوافذ الرمادية والباب الحديدي الأسود المتواجد وسط العمارة، والتي كانت تحمل لوحة كبيرة مكتوبة بالخط العريض وباللون الأخضر (زهراء الجزيرة).

عمّ الصمت.. وبدأ الشعور يتحدث داخلي.. بدأت اتمتم بصوت منخفض عبارات الدهشة والاستغراب.. أدركت حينها أنها تختبئ في حنايا تلك العمارة ذكريات خالدة وتفاصيل دقيقة يصعب وصفها، ومن الطابق السابع، تحديدًا من شمال عمارة زهراء الجزيرة تواجدت هناك شقة الفنان الراحل عبدالحليم حافظ.

دخلت أمشي في خطوات ثقيلة وهادئة، تترنم على مسامعي نغمات أغنيته "شوف بقينا فين؟ وبشكلٍ دقيق كوبليه في سكة زمان راجعين.. في نفس المكان ضايعين" وفعلاً كانت تصف شعوري حينها، كان يوجد أمامي مصعد ودرج أبيض طويل، ومن الجانب الأيسر صناديق الرسائل الواردة والصادرة محفوفة بالخشب البنيّ العتيق، الذي يبلغ عمره ما يقارب الخمس وأربعين 45 عامًا.

بدأ الحماس يدفعني للصعود للطابق السابع.. وفعلًا صعدت، إلى أن وقفت أمام ذلك الباب الرمادي العريض، فطرفت الباب حينها، إلا بتلك السيدة اللطيفة هادئة الطباع، والتي كانت تدعى بـ(أم دعاء) قامت بفتح الباب بهدوء وبابتسامةٍ خافته، فقامت بالترحيب بي بعيونٍ حنونة يملؤها الرضا والخجل، أخبرتني أنها السيدة التي تعمل لحراسة الشقة من الزوار، لما تحمله الشقة من مقتنيات لا يُسمح لأحدٍ لمسها.. أو تخريبها.

يضم مدخل الشقة مرآة كبيرة ضخمة منقوش عليها زخارف الانتيك الكلاسيكي، ومن الجانب الأيمن صالة عريضة تحمل في قلبها سجادة زرقاء وكنبٍ باللون البنيّ الفاتح ومخداتٍ فضية صغيرة، كان يجلس في تلك الصالة ليؤدي البروفات "التدريبات" الموسيقية قبل الصعود على خشبة المسرح، حيث كان يزوره العديد من الكتّاب، والشعراء والملحنين والموسيقيين.

سقطت عيني على تلك الكنبة، ترددت بالجلوس عليها لما يوجد من تعليمات لعدم لمس أي من تلك المقتنيات، إلى أن السيدة اللطيفة سمحت لي بالجلوس على تلك الكنبة، فجلست بطريقة عفوية إلا بالسيدة (أم دعاء) تصرخ بدهشة قائلةً باللهجة المصرية البسيطة "بالزبط كان جالس في مكانك ونفس قعدتك كده بالزبط، كان بيجلس في زاوية الكنبة وبيميل في جلسته شوية نفس ما انتي قاعدة" قشعر جسمي حينها وبدأت أتامل، واتفكر بفرحه وبابتسامة عريضة.

في الجهة اليمنى من الصالة تواجد هنالك ممر طويل كان يؤدي إلى غرفة نومه الخاصة به، حيث المفرش الأخضر والهاتف والكرسي، وأثناء ما كنت أتأمل تلك التفاصيل، استوقفتني تلك البقعة السوداء المتواجدة في الجهة اليسرى من السرير، وبعد السؤال اتضح لي أن سبب تواجد تلك البقعة سوداء اللون يعود إلى صبغة الحناء التي كان يضعها على شعره عندما كان يتكىء على سريره أثناء فترة مرضه، وبالرغم من مرور 45 عامًا على رحيله ما زالت آثار تلك البقعة موجودة كما هي.

تواجدت العديد من المقتنيات الخاصة به في تلك الغرفة، كجهاز سماع الاسطوانات الموسيقية، وعطوره الأربع الموجودة على تسريحته، وأعواده الخشبية ذات اللون البني الداكن الذي كان يعزف بها، والراديو الذي يسمع من خلاله أغنياته بعد كل حفلة والعديد من الادراج والكراسي والكتب والستائر العتيقة زرقاء اللون.

خرجتُ من جناح غرفة نومه، ومشيت، إلى أن وصلت إلى منطقة الإطلالة من مكان الشرفة، حيث المكان الذي كان يدندن فيه أغانيه بصوت خافت وبوقت متأخر من ساعات الليل الطويلة.

ودعّت ذلك المكان بنظراتٍ يملؤها الحزن والفرح في آنٍ واحد، شكرت السيدة النبيلة (أم دعاء) التي منحتني ذلك الوقت لأتجول في أرجاء شقة العندليب، وصلت أخيرًا إلى مواقف السيارات في الطابق الأرضي من العمارة، حيث سيارة عبدالحليم حافظ الخاصة به تقف أمامي بلونها الرمادي، ومساندٍ خضراء من الداخل وأدراج بنيه ومقود كبير! يكسوها الغبار من كل مكان، كما حملت سيارة العندليب اسم (ملاكي القاهرة 64400)، علمًا أنه كان يقود ذات السيارة في فلمه "معبودة الجماهير".

التقطت الكثير من الصور
تأملت العديد من الزوايا
اكتسبت الكثير من المعلومات
تعايشت مع تلك التفاصيل التي كانت تحمل في طياتها ذكريات حقبة السبعينات الميلادية ..

مشاعر مختلطة صاحبني في تلك الارجاء
ودّعت المكان بحزنٍ عميق مع عدم الرغبة في مغادرة المكان
ولكن! غادرت.. ولم يغادر المكان من قلبي..

إلى لقاءٍ قريب للعندليب.. إلى اللقاء عبدالحليم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط