الحج.. مشاعرُ تتجاوز الكلمات!

عادل الحربي
عادل الحربي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

في تجربة الحج، يتملكك شعورٌ لا يمكن أن يفهمه إلا من عاشه، مزيج من المشاعر الروحانية العميقة التي تعجز الكلمات عن التعبير عنها. لحظات يشعر الإنسان فيها بقربه من الخالق، وبسريان الطمأنينة والزهد في روحه.

منذ اللحظة الأولى التي يقرر فيها المسلم أداء فريضة الحج، ينبض قلبه بالترقب والحماس لرحلة روحية تنطوي على معانٍ ودلالات عميقة؛ رحلة تطهير للنفس وتجديد للعهد مع الله، رحلة لتصفية القلوب وإعادة ترتيب الأولويات.

وعندما يصل الحاج إلى مكة المكرمة، يبدأ شعوره بالانتماء لأمةٍ واحدة تتوحد في عبادة الله؛ الجموع التي تطوف حول الكعبة تتحدث لغةً واحدة، لغة الإيمان والتواضع والمحبة، ويذوب الفرد في هذه الجموع، ليشعر بأنه جزءٌ من نسيجٍ إنساني واحد، تجمعه الروحانية والتوجه نحو الخالق.

وأثناء الطواف، يتداخل الشعور بالعظمة مع التواضع، يرى الحاج نفسه صغيراً أمام هذا المشهد المهيب، لكن في نفس الوقت يشعر بقيمة كبيرة لكونه جزءاً من هذا الحدث العظيم. تتوالى الأدعية والتسابيح، وتتعمق المشاعر كلما اقترب الحاج من الكعبة نحو السكينة والطمأنينة.

وفي يوم عرفة، يبلغ الحاج ذروة مشاعره الروحانية، يقف على جبل الرحمة، يدعو ويبكي، يستغفر ويطلب الرحمة، إنه اليوم الذي يمثل لقاءً خاصاً بين العبد وربه، حيث تتجلى الرحمة الإلهية ويشعر الحاج بقربه من الله؛ في لحظات تتجاوز الوصف، وتبقى محفورة في الذاكرة كأعظم تجربة روحية يمكن أن يعيشها الإنسان.

يواصل الحاج مسيرته إلى مزدلفة ثم إلى منى، حيث يرمي الجمرات، ليجسد بذلك قمعه لوساوس الشيطان ومقاومته لإغواءات الدنيا. في هذه اللحظات، يختبر الحاج مزيجاً من الفرح والانتصار، ويتجلى لديه معنى الجهاد الأكبر، جهاد النفس. يتذكر الحاج كل لحظة من حياته، كل خطيئة وكل توبة، ويشعر بأنه قد ولد من جديد، طاهر القلب، نقي السريرة، لا يسأل الله إلا القبول والمغفرة.

وتنتهي رحلة الحج بطواف الوداع، ليحمل الحاج في قلبه ذكرياتٍ لا تُنسى، ومشاعر روحانية ستظل تلازمه طوال حياته. هذا الطواف الأخير هو تجديد للعهد مع الله، وتأكيد على العزم بالاستمرار على الطريق المستقيم. يشعر الحاج بفيض من المشاعر المتداخلة، مزيج من الحزن على وداع الأماكن المقدسة والفرح بالعودة إلى الأهل والأحباب بنفس مطمئنة.

ما بين دموع الفرح والخشوع، ونداءات التلبية والدعاء، يعيش الحاج رحلةً روحانية فريدة. إنها رحلة تبدأ بالنية وتنتهي بالصفاء الروحي، رحلة تعمق الإيمان وتصفّي القلب، وتترك أثراً لا يمحوه الزمن. ليعود الحاج إلى حياته اليومية بروح جديدة، محملة بالسكينة والإيمان، قادرة على مواجهة الحياة برؤية مختلفة، ملؤها الصبر واليقين.

متناقضات الحب والرهبة، التواضع والعظمة، الأمل والخشوع تلك هي مشاعر الحاج في تجربة تتجاوز الحدود المادية لتصل إلى أعمق أعماق الروح وتبقى محفورة في القلب، فهو ليس مجرد فريضة، بل رحلة عمر تتجدد فيها الروح.

حَجٌّ مَبْرُورٌ وَسَعْيٌ مَشْكُورٌ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى.

نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط