صوتُ الرياض الموسيقي يُزين شريطَها السينمائيّ

مدحت صفوت
مدحت صفوت
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

أين تذهب هذا المساء؟ سؤال بدت إجابته محيرةً نهاية الأسبوع الماضي ومطلع الأسبوع الجاري لسكان مدينة الرياض. حيرة لم تكن ناتجة عن قلة الفعاليات، على النقيض، كانت عاصمة المملكة العربية السعودية على موعد مع حدثين فنيين دوليين كبيرين، بأقل وصف متواضع، أحدهما يخص صناعة السينما والآخر يُعنى بالموسيقى العربية والغناء.
مساء الأربعاء، انطلقت فعاليات الدورة الثانية من مؤتمر النقد السينمائي الدولي، الذي نظمته هيئة الأفلام السعودية، ليشكل منصة حيوية تجمع النقاد وصناع الأفلام والمهتمين من مختلف أنحاء العالم، ناقلين الحوار من خلف الشاشة إلى واجهتها، ومستكشفين الأبعاد الفكرية والإبداعية التي تشكل العمليات السينمائية.
جاء هذا المؤتمر في وقت تشهد فيه صناعة السينما السعودية تطورًا ملحوظًا، مدفوعًا برؤية المملكة 2030، آخذًا على عاتقه مهمة تعزيز الحوار النقدي حول الأعمال السينمائية السعودية والعربية والعالمية، وتعميق الفهم لجوهر العملية الإبداعية التي تقف وراءها.
أمّا مساء الخميس، وتقاطعًا مع فعاليات المؤتمر السينمائيّ، شهدت سماء الرياض الثقافية انطلاق النسخة الرابعة من مهرجان الغناء بالفصحى، وذلك في صرح الثقافة والمعرفة، مركز الملك فهد الثقافي، وفي إطار جهود المملكة لدعم اللغة العربية وتعزيز حضورها في المجتمع، وبدعم من برنامج جودة الحياة أحد برامج تحقيق رؤية المملكة 2030.
المهرجان، الذي نظمته هيئة الموسيقى السعودية، شهد مشاركة نخبة من ألمع نجوم الغناء العربي، الذين قدموا باقة متنوعة من الأغاني العربية الفصحى التي أرضت مختلف الأذواق. فالليلة الافتتاحية أحياها كل من الفنانين ماجد المهندس وصابر الرباعي ومي فاروق وعبدالرحمن محمد، الذين أسروا الحضور بأصواتهم العذبة وأدائهم المتميز. ولم تتوقف قائمة النجوم المشاركين عند هذا الحد، ففي الليلة التالية، قدّم كل من الفنانين كاظم الساهر ولطفي بوشناق وهبة طوجي أمسية غنائية ساحرة، وقادوا الجمهور في رحلة موسيقية عبر الزمن مثلت تجربة لا تُنسى.
واستهدف المهرجان الاحتفاء باللغة العربية، وإبراز جمالها وأصالتها من خلال الموسيقى والغناء، ساعيًا إلى تعزيز الترابط بين الأجيال، ونقل التراث الثقافي العربي إلى الأجيال الشابة. ومنذ انطلاقته الأولى، نجح الحدث في أن يصبح إحدى أهم الفعاليات الثقافية في المنطقة، جامعًا بين الفن والثقافة والتراث.
الصوت.. من الموسيقى إلى السينما
الفعاليتان اللتان نظمتهما شركة هوادي السعودية، إحدى الشركات الإقليمية الرائدة في تنظيم الفعاليات الثقافية والفنية، تعدان ظاهرة ثقافية تستحق الدراسة والتحليل من مختلف الزوايا، بما في ذلك الزاوية الجمالية. ويمكننا، من خلال عدسة فلسفة الفن، وتحديدًا من منظور الجمالية وسوسيولوجيا الفن، أن نستكشف أبعادهما الجمالية، وسبل المساهمة في تشكيل الذوق العام وتنمية الحس الفني لدى المجتمع.
بدايةً، ركّز مؤتمر النقد السينمائي على تحليل وتقييم الأعمال السينمائية من الناحية الجمالية، خاصة تقييم جماليات الصوت، وما يلعبه من دور في إبراز السرد السينمائي، وكيفية بناء القصص والشخصيات، وبالطبع تأثيرها على المشاهد، كذلك ناقشت جلسات «النقد السينمائي» الأبعاد الفلسفية والفكرية للأفلام، وطرائق تعبيرها عن قضايا المجتمع والوجود الإنساني، فضلًا عن جماليات النقد السينمائي ذاته، وآليات صياغة الحجج وتقديم التحليلات على نحو جماليّ وجذاب.
ومن الصوت السينمائي إلى الصوت الموسيقي، جاء مهرجان الفصحى، الذي شكلّ فيه الصوت عنصرًا جماليًا أساسيًا، من خلال تقدير جمال الألحان والكلمات والأداء الصوتي، والاحتفاء بـ «العربية»، والاعتناء بسحر البيان وتأثير المعاني، ناهيك عن عدم إغفال جماليات الأداء الفني للمطربين، وإيصال المشاعر والأحاسيس من خلال الصوت والحركة، والعناية الفائقة بالجانب الإخراجي للحفلات، من إضاءة وديكور وأزياء، والتي أسهمت في خلق أجواء جمالية خاصة.
سوسيولوجيًا، يسهم الحدثان في تشكيل الذوق العام لدى الجمهور، وتوجيهه نحو تقدير الفنون والثقافة، كذلك في بناء هوية ثقافية للمجتمع، من خلال الاحتفاء بالتراث الثقافي وتقديم نماذج إبداعية جديدة، كما أنهما يشجعان على التفاعل بين الفنان والجمهور، وبناء مجتمع فني نشط، وإتاحة فرص ثمينة لعرض الأعمال السينمائية والموسيقية الرفيعة.
دلالات عميقة
لا تغفل على متابع عام أو متخصص، أهميةُ انعقاد مؤتمر للنقد السينمائي ومهرجان للغناء في توقيت واحد، بوصفهما خطوة بالغة الأهمية، تحمل دلالات ثقافية وفنية عميقة، أبرز هذه الدلالات؛ تنشيط الحراك الثقافي والفني، إذ من المُسلّم به فنيًا ومعرفيًا، مساهمة ذلك التنوع في إثراء المشهد وتقديم خيارات متنوعة، ومن بعدها دلالة العودة إلى الجذور ودعم اللغة وتعزيز مكانتها.
الدلالة الأخيرة ربما هي التي دفعت بمجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية للمشاركة في مهرجان الفصحى، تماشيًا مع رؤية المملكة، ومن خلال معرض يسلط الضوء على دور «العربية» في الارتقاء بالثقافة والمجتمع، مبرزًا مبادرات المجمع، ومستعرضًا نماذج حية لجماليات اللغة من خلال الأغاني.
مؤكد أن إقامة مثل هذه الفعاليات في الرياض لهو دليل على الرؤية الطموحة للمملكة في دعم الثقافة والفنون وتطوير المجتمع، وترسيخ مكانتها كمركز ثقافي/ فني إقليمي، من خلال هيئاتها المختلفة وشركاتها الرائدة وكوادرها الفنية، التي تساعد في تعزيز التفاعل بين مختلف شرائح المجتمع، وتوفير مساحة فنية للحوار والنقاش الجاد حول قضايا الثقافة.
هنا، نذكر أن فلاسفة كثرًا يرون أن الفن يلعب دورًا حيويًا في تشكيل هوية الأفراد والمجتمعات. فمن خلاله، يستطيع الإنسان أن يعبر عن نفسه، وأن يفهم العالم من حوله، وأن يتواصل مع الآخرين. وعندما تزدحم الأجندة الثقافية بالفعاليات، فإن ذلك يعني أن المجتمع يعطي قيمة كبيرة للفنون والثقافة، وأن هناك رغبة حقيقية في تطوير الحس الجمالي لدى الأفراد.
السؤال الذي بدأنا به كتابتنا، أين تذهب هذا المساء؟ لم تكن إجابته خلال الأيام القليلة الماضية مجرد نزهة، إنّما فرصة ليشهد سكانُ الرياض -جميعهم- المملكةَ وهي تواصل خطواتها نحو بناء مجتمع ثقافي مزدهر، والاحتفاء بالجمال والإبداع في أشكاله المختلفة، لا سيما في مجال الفنون الأدائية والموسيقية، خاصة وأن عاصمة السعودية باتت مركزًا إقليميًا للثقافة والفنون، تستقطب الفنانين والمبدعين من مختلف أنحاء العالم.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط