الحرب الحقيقية لا بد أن تكون من أجل مستقبل الخليج العرب

علي الخشيبان
علي الخشيبان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

الحرب الدائرة في الخليج اليوم بين إسرائيل ومعها أميركا ضد إيران ليست كلها موجهة ضد فكرة امتلاك إيران للسلاح النووي، ومع أهمية هذا الجانب للمنطقة واستقرارها إلا أن هذه الحرب ستؤدي حال استمرارها إلى تقويض عميق للمبادئ السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي عرفها العالم عن الخليج العربي ودوله، حيث بنت دول الخليج نموذجها التنموي وفق فرضيات الاستقرار طويل المدى عبر استثمار مباشر بممر مائي يعتبر من أهم مصادر الاستقرار الدولي، وبرغم المحاولات الجادة من دول الخليج لتجنيب هذه المنطقة الأزمات ذات التأثير الدولي، إلا أن هذه الحرب تحولت من صراع عسكري مباشر إلى صراع شرس حول الإطار الاستراتيجي الذي يتحكم بالمنطقة.

عبر عقود من الزمن وقبل هذه الحرب ظل بحر الخليج العربي يتميز بالمرونة الاقتصادية والأمن والاستعداد الدائم لتأمين الطاقة والتجارة للعالم عبر فرضية تأكدت عبر الزمن أن الخليج العربي دائما ما يلعب دوراً أساسياً لضمان بقاء المنطقة كمحرك للنمو العالمي، وليس ساحة للصراع الدائم، اليوم هذه المعادلة تتعرض للتأثير بفعل الحرب التي تقودها أميركا وإسرائيل، فالمعطيات التي تقود هذه الحرب لم تعد محصورة في سببها الرئيس المتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، النتائج لهذه الحرب تكاثرت وتنوعت حتى قبل أن تنتهي الحرب، ولذلك فمهما كانت شروط التسوية المتوقعة مع طهران إلا أن الدرس المركزي من هذا الصراع لن يزول وسوف تستمر هشاشة الواقع المحيط بمضيق هرمز مهما كانت نتائج التسوية بين المتحاربين، فالمنطقة اليوم تواجه حقيقة لم يعد من الممكن تجاوزها والمتمثلة في إعادة تعريف النفوذ والسيطرة على مضيق هرمز الممر الأهم لاقتصادات العالم.

أحد أهم النتائج المؤثرة هي أن المنطقة بدولها أدركت وبشكل جلي أن أميركا ليست قادرة على حل جميع التحديات الأمنية التي تحيط بالمنطقة، فالتجارب التاريخية في تدخلات أميركا العسكرية وحتى السياسة أثبتت أن هذه التدخلات غالبا ما تقود إلى عواقب غير مقصودة وحتى غير متوقعة كما يجري اليوم في الحرب الإسرائيلية الأميركية ضد إيران، هذه الحرب أثبتت أن الانقسام الاستراتيجي الأميركي حول المنطقة موزع بين عدة مسارح وأصبحت أميركا غير قادرة على الجمع بين هذه المسارات بشكل صحيح، وهذا ما يفسر تلك اللفتة السياسية التي طرحتها أميركا أمام دول المنطقة وفشلت في تحقيقها عندما وضعت خيار التطبيع مع إسرائيل في مقابل خيار إنهاء الحرب.

الحرب الحقيقية هي من أجل مستقبل الخليج والتجارة الدولية والنفوذ وليس من أجل مستقبل تحاول فيه أميركا وضعَ إسرائيل في ذات المساحة دون مبرر استراتيجي عبر تبني الخيارات المستحيلة من خلال فكرة تضع التطبيع والحرب في ذات الطريق كخيار للخروج من الأزمة، هذه الاستراتيجية الأميركية افتقدت القراءة الصحيحة للتاريخ، فمثلث العرب وإسرائيل وإيران لا يمكن بناؤه وفق معادلة أمنية ناقصة وتفتقد التوازن الدولي، كما أن هذا المثلث لا يمكن بقاؤه وسط دائرة تتحكم فيها أميركا وحدها، فالعالم يتجه بلا شك نحو قطبية متعددة تفرض واقعا لا يمكن أن تتحكم فيه دولة واحدة دون الآخرين.

ومن نتائج هذه الحرب ذات الأهمية العالية هي صعود الصين كخيار لا غنى عنه في الاستراتيجيات السياسية والاقتصادية في المنطقة الخليجية، ولعل التنبؤ الأكثر تحققاً هو توسع النفوذ الصيني في المنطقة في المستقبل، فهذه الحرب ساهمت بشكل مباشر في تغيير التوازنات الاستراتيجية العالمية لصالح الصين، وهذا ما يجعل التعامل مع الصين في هذه المنطقة ليس خيارا مفتوحا بقدر ما أصبح واقعا لا يمكن تجاوزه.

الحالة الخليجية أصبحت تدرك أن الاعتماد المفرط على القوى الخارجية دخل مرحلة تقييم فعلية قد تدفع بهذا الاعتماد لتحوله إلى مخاطرة، وهذا التحول في السلوك الاستراتيجي الخليجي يشكل أحد أهم نتائج هذه الحرب التي لم تنتهِ بعد، فالتدخلات الأميركية خلقت الكثير من التعقيدات، وأصبح المنتظر للمنطقة بناء مساحات سياسية قادرة على التعامل مع نظام دولي يعاد تشكيله بشكل تدريجي، دول الخليج بحاجة إلى بناء منهج من الشراكة الدولية المتعددة الأقطاب وليس التعاطف مع قوى دولية بعينها، فهذه الحرب أثبتت أن قضية مضيق هرمز وما سببته من أزمات هي مصدر فعلي للقلق الاستراتيجي المستمر حتى لو توقفت الحرب.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط