تصنيفنا الدولي في مؤشرات التعليم
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
لا يمكن قراءة تجارب النهضة والتنمية في العالم بمعزل عن التعليم؛ فهو القاعدة التي تُبنى عليها التحولات الكبرى، من أوروبا إلى آسيا، ومن الاقتصادات الصناعية إلى الدول الصاعدة. وفي المملكة، لم يكن التعليم خارج هذه المعادلة، بل كان أحد المسارات التي شهدت تطويراً متدرجاً انعكس على جودة المخرجات التعليمية، وعلى حضورها في التصنيفات العالمية، ومنها التصنيف الأخير المنشور عبر موقع World Population Review لعام 2026.
لكن هذه المؤشرات مع المعطيات الحالية في العملية التعليمية تضعنا أمام قراءة مزدوجة تتطلب منا وقفة جادة للمكاشفة؛ فبينما تعكس الدرجة المتقدمة للسعودية في مؤشر الأداء الفعلي (WT20)، حيث حلت في المرتبة 45 عالمياً، قفزة نوعية في المناهج والبنية التحتية، إلا أن هناك فجوة مقلقة تظهر في معايير «السمعة وجودة التعليم العام».
الارتقاء في هذه المؤشرات ليس ترفا أو سعيا خلف الأرقام، بل هو ضرورة حتمية لضمان تنافسية الكادر البشري السعودي في سوق عمل عالمي لا يعترف إلا بالكفاءة. لكن ما بدأنا نراه مؤخرا من ارتباك في الانضباط التعليمي المتمثل في ظاهرة تنامي معدلات الغياب المدرسي بشكل غير مبرر، وتطبيع فكرة «الإجازات المطولة» غير الرسمية يقرع جرس تحذير على عدة مستويات.
أولها هو تأثر العملية التعليمية بظاهرة الغيابات الجماعية وتحولها إلى ممارسة مقبولة لدى الأسر مما يؤثر على التحصيل العلمي لدى الطلاب، كما أن هذه الظاهرة تؤدي إلى هدم تدريجي لقيم الانضباط والالتزام والمسؤولية التي هي أساس النجاح العملي والاجتماعي مستقبلاً. وما يبعث على القلق هو حالة التراخي في المحاسبة؛ حيث نشهد غياباً للمساءلة الرادعة للطلاب، في حين اصطف بعض أولياء الأمور مع أبنائهم في التساهل مع غياباتهم، بينما كان في السابق ولي الأمر يقف في صف المدرسة لفرض الالتزام الصارم بالحضور وتقليص الغياب إلى أقصى حد.
الارتقاء بالتعليم يتطلب صرامة توازي حجم التطلعات وتوازي وزن هذا القطاع في رحلة التنمية. لا يمكننا بلوغ مراتب الصدارة العالمية ونحن نعاني من تسرب غير منضبط من الحصص الدراسية. والحل يبدأ بإعادة هيبة النظام المدرسي، وتفعيل قوانين صارمة تربط بين انضباط الطالب وبين سجله الأكاديمي، مع تحميل الوالدين مسؤولية قانونية وأخلاقية مباشرة عن هذا الغياب.
وأخيرا، تفوقنا في المؤشرات الدولية يحتم علينا المحافظة على واقع منضبط داخل الفصول الدراسية. فالمؤشر الحقيقي للنجاح ليس فيما يُكتب في التقارير فحسب، بل في جيل يدرك أن التهاون في الغيابات هو تنازل طوعي عن مقعده المستحق بين الكبار.
نقلا عن "الرياض"