لا توفيق دون سعي
لا يمكن الحديث عن التوفيق والنجاح دون التوقف عند العلاقة العميقة بين السعي والنتيجة، وبين الجهد والإثمار. فالكثير من المفاهيم الدينية والإنسانية تُساء قراءتها حين تُفصل عن سياقها العملي، فيتحول التوكل إلى تواكل، ويتحوّل الدعاء إلى بديل عن العمل، بينما الأصل أن يكونا معاً في خط واحد يقود الإنسان نحو تحقيق أهدافه. ومن هنا تأتي أهمية إعادة ضبط هذا الفهم، خصوصاً لدى الأجيال الشابة التي تحتاج إلى رؤية واضحة لمعنى التوفيق الحقيقي.
الكثير يقول "التوفيق من الله" ولا أحد يختلف على ذلك أبدا، لكني كنت أرى دائما أن هذا القول ناقص أو يحتاج إلى توضيح. كنت أقول لطلابي إن التوفيق مثل الرزق يحتاج إلى سعي وعمل، أي أنه غير مقبول من الطالب الذي لا يحقق نتائج جيدة ويقول إن التوفيق من الله وهو لم يعمل شيئا خلال الدراسة. لكن عندما يجتهد ولا يحقق النتائج التي يتمناها هنا تصبح هذه المقولة قائمة. المسألة هنا مرتبطة بالاجتهاد فلا نتوقع توفيقا دون أن تبذل الأسباب التي تقود للنجاح.
ولعل الإشكال الأكبر في فهم التوفيق هو أنه يُختزل في كونه نتيجة نهائية، بينما هو في الحقيقة مسار يبدأ من لحظة اتخاذ القرار بالعمل. فالله سبحانه وتعالى لا يهب التوفيق لمن يقف متفرجاً، بل لمن يضع نفسه في سياق الفعل، ويختبر قدراته، ويواجه تحدياته. لذلك كنت دائماً أؤكد أن التوفيق لا ينفصل عن الوعي بالمسؤولية؛ فكل خطوة يخطوها الإنسان نحو هدفه هي جزء من هذا التوفيق، حتى وإن لم تظهر نتائجها فوراً. إن إدراك هذه الحقيقة يجعل الفرد أكثر اتزاناً في تقييم جهده، وأكثر قدرة على فهم أن النجاح ليس حدثاً مفاجئاً، بل هو ثمرة تراكمية لسعي صادق ومثابرة مستمرة.
ينطبق هذا على كل شيء فالحياة لا تعتمد على الحظ، بل السعي في مناكب الأرض والأمم لا تتقدم بالدعاء فقط، بل بتحقيق أسباب التقدم. توقفت مرة عند سؤال أحدهم عن أسباب تخلف المسلمين وهم يدعون الله خمس مرات في صلواتهم، وكأنه يقول إن لم يجدهم الدعاء نفعا، لكنه لم يفهم أن الدعاء يجب أن يصاحبه عمل. فلا نتوقع الرزق مثلا ونحن لا نفعل شيئا من أجل الحصول عليه. تذكّرت فيلما قصيرا يصور فراخ طيور غاب عنهم أبواهم؛ فأتى طائر آخر بطعام وكان التعليق أن الله يرزق الطير في السماء بغير حساب. بالنسبة لي هذا استثناء لا يتكرر كثيرا فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصًا وتروح بطانًا"، فالغدو والرواح هو العمل وهذا لا يتعارض مع التوكل مصداقا لقول الله تعالى "فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور" (الملك: 15).. وهذا الفهم يضعنا أمام حقيقة لا يمكن تجاوزها، وهي أن العلاقة بين الإنسان والنتائج التي يطمح إليها ليست علاقة انتظار، بل علاقة حركة دائمة. فالله سبحانه وتعالى لم يربط الرزق ولا التقدم ولا النجاح بالجلوس والتمني، بل ربطها بالسعي الذي يكشف صدق النية وقوة الإرادة. لذلك نجد أن المجتمعات التي أدركت هذا المبدأ مبكراً استطاعت أن تبني مسارات واضحة للتطور، لأنها لم تفصل بين الدعاء والعمل، ولم تجعل التوكل بديلاً عن الأخذ بالأسباب. إن المشكلة ليست في الدعاء ذاته، بل في الطريقة التي نمارسه بها حين نستخدمه كغطاء لغياب الجهد. وعندما نفهم أن الدعاء الحقيقي هو ما يرافقه فعل، ندرك أن التوفيق لا يأتي لمن ينتظر، بل لمن يتحرك في الاتجاه الصحيح مهما كانت التحديات.
البعض يريد أن يشعر بالراحة عندما يفشل فيلصق عدم النجاح بالتوفيق، هذا ما يحاول أن يقنعني به بعض طلابي، وكنت أرد عليهم أني أسمع وأرى ومتابع لعمله أثناء الدراسة ولو أن الأمر مرتبط بالتوفيق لكنت نظرت في أمره. البحث عن الشعور بالراحة لتبرير التقاعس ليس له علاقة بتوفيق الله لأنه تعالى مع كل إنسان طالما أن هذا الإنسان مع نفسه ويعرف ما يريد ويعمل على تحقيق أهدافه. كنت أقول لهم الفهد يوميا يطارد الغزال وبين عشر محاولات يصطاد غزالا ولو جلس ينتظر الغزال كي تأتي إليه لمات جوعا. وهذه الأمثلة ليست مجرد تشبيهات، بل هي تذكير بأن قانون الحياة واحد لا يتغير: من لا يتحرك لا يصل، ومن لا يجرب لا يتعلم، ومن لا يواجه الصعوبات لن يعرف طريق النجاح. فالفهد لا ينجح في كل محاولاته، لكنه لا يتوقف عن السعي، وهذا ما يجعل النتيجة في النهاية لصالحه. أما الإنسان، فغالباً ما يختار الطريق الأسهل وهو تعليق الإخفاق على شماعة التوفيق، مع أن التوفيق لا يُعطى لمن يبرر تقاعسه، بل لمن يملك الشجاعة ليعترف بنقص جهده ويعيد المحاولة.. إن إدراك هذه الحقيقة يجعل الفرد أكثر صدقاً مع نفسه، وأكثر قدرة على فهم أن النجاح ليس حالة طارئة، بل هو ثمرة إصرار لا ينقطع، وتجربة تتكرر حتى تثمر.
نقلا عن "الرياض"