بناء الأوطان لا يستورد..!
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
لسنوات طويلة ساد اعتقادٌ خاطئ في بعض المؤسسات، أن الأجنبي أكثر كفاءة، وأكثر قدرة على الإدارة، وأكثر جدارة بالمناصب القيادية. ومع الوقت تحوّلت هذه القناعة لدى البعض إلى ثقافة مؤسسية أنتجت شبكات مغلقة من العلاقات والمصالح المتبادلة، تستقطب بعضها بعضاً، وتعيد تدوير الأسماء نفسها، بينما تتباطأ فرص الكفاءات الوطنية في الصعود إلى المواقع التي تستحقها.
لا أحد يعترض على الاستفادة من الخبرات الدولية عندما تكون الحاجة قائمة، فالمعرفة لا جنسية لها، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الأجنبي خياراً افتراضياً حتى في وجود سعودي يمتلك المؤهل والخبرة والقدرة، وعندما تتحول بعض الإدارات إلى جزر معزولة تديرها شِلَل مهنية لا ترى في أبناء البلد شركاء حقيقيين في القيادة.
السعودي لا يحمل فقط شهادة وخبرة، بل يحمل ما هو أثمن من ذلك: ارتباطاً عضوياً بمستقبل وطنه، فنجاح المشروع بالنسبة له ليس مجرد بند في عقد عمل أو محطة في سيرة ذاتية، بل جزء من قصة وطن يعيش فيه أبناؤه وأحفاده. هذه الميزة لا تُشترى بالرواتب، ولا تُستورد عبر شركات التوظيف العالمية.
ومن الناحية الاقتصادية البحتة، فإن الاستثمار في الكوادر الوطنية أكثر جدوى واستدامة. فتكلفة استقطاب القيادات الأجنبية وما يرتبط بها من مزايا وتعويضات وحزم انتقال مرتفعة غالباً ما تتجاوز تكلفة بناء وتأهيل الكفاءات المحلية، بينما تبقى المعرفة والخبرة المتراكمة داخل الاقتصاد الوطني بدلاً من أن تغادر معه عند انتهاء العقد أو يأتينا بعد التقاعد ليموت بيننا..
العالم اليوم لم يعد ينظر إلى الأمن القومي من زاوية عسكرية فقط؛ فالبيانات، والمعلومات، والمشاريع الإستراتيجية، وسلاسل الإمداد، والخطط المستقبلية أصبحت جميعها جزءاً من منظومة الأمن الوطني. وكلما ارتفعت نسبة الكفاءات الوطنية في المواقع الحساسة، ازدادت قدرة الدولة على حماية مصالحها وتقليل مخاطر الاختراق أو تسرب المعرفة الاستراتيجية إلى خارج حدودها.
لقد أثبتت التجربة السعودية خلال العقد الأخير أن أبناء الوطن قادرون على إدارة أعقد الملفات وأضخم المشاريع متى ما أُتيحت لهم الفرصة. وما نشهده اليوم من صعود قيادات سعودية شابة إلى مواقع القرار ليس منحةً ولا مجاملة، بل نتيجة طبيعية لاستثمار طويل في الإنسان السعودي.
الدول العظيمة لا تُبنى بالأموال وحدها، بل بالثقة في أبنائها.. أما المال فهو أداة، فإن غاب المال اضطررنا لتوظيف السعودي، وإن حضر المال استوردنا الأجنبي. أما الدولة الواثقة من نفسها فتوظف السعودي في الحالتين، وتستعين بالأجنبي عند الحاجة فقط؛ لأن بناء الإنسان ليس بنداً مالياً في الميزانية، بل مع سيادة تمتد لأجيال.
نقلا عن "عكاظ"