كفاءة الإنفاق البحثي.. هل نحتاج إلى شراء الجهاز أكثر من مرة؟

بتلاء الصويان
بتلاء الصويان
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

في ظل التوجه نحو رفع كفاءة الإنفاق الحكومي وتعظيم العائد على الاستثمار، يبرز تساؤل: هل المشكلة في نقص الموارد، أم أن جزءًا من التحدي يكمن في كيفية استخدام الموارد المتاحة؟ خلال السنوات الماضية، استثمرت المملكة بشكل كبير في البحث والتطوير. وقد شمل ذلك إنشاء مرافق متقدمة وتجهيزها بأحدث الأجهزة، بالإضافة إلى تعزيز القدرات العلمية الوطنية. ورغم أهمية الاستمرار في الاستثمار، فإن جزءًا من التحدي اليوم لم يعد يتعلق بتوفير الموارد، بل بمحدودية الوصول إليها خارج حدود الجهة المالكة لها.

فعلى مستوى المملكة، توجد أجهزة بحثية متقدمة ذات تكلفة عالية موزعة بين عدد من الجهات المختلفة، لا يعمل معظمها بكامل طاقته التشغيلية. بالإضافة إلى ذلك، توجد موارد بحثية أخرى، كالعينات النادرة وقواعد البيانات العلمية، يصعب توفيرها بشكل متكرر. إلا أن هذه الموارد غالبًا ما تبقى محصورة داخل الكيانات التي تمتلكها، ويصعب على الباحثين من الجهات الخارجية الوصول إليها، مما قد يدفع إلى إنشاء مرافق موازية وتكرار الإنفاق على الموارد نفسها. ومن هنا تبرز أهمية إعادة النظر في مفهوم ملكية الموارد البحثية. فكما تتشارك قطاعات عديدة في البنية التحتية والخدمات عالية التكلفة لتحقيق الكفاءة الاقتصادية، يمكن للقطاع البحثي الاستفادة من نهج مماثل من خلال تطوير منظومة وطنية لمشاركة الموارد البحثية. ومن شأن هذا النموذج أن يتيح للباحثين الوصول إلى إمكانات أكبر بتكلفة أقل، وأن يرفع معدلات استخدام الأجهزة المتقدمة، ويقلل من الازدواجية في الإنفاق.

ولا يقتصر الأمر على الأجهزة فحسب. فبعض التخصصات العلمية الدقيقة تضم عددًا محدودًا جدًا من الخبراء متفرقين حول المملكة. وقد يعمل عالم متخصص في مجال متقدم داخل مختبر وحده مع فريق لا يملك المستوى نفسه من الخبرة. ورغم القيمة العلمية الكبيرة لهذا الباحث، فإن عزلته عن نظرائه في التخصص ذاته يحد من فرص تبادل المعرفة وتسريع الإنجازات العلمية. في المقابل، عندما تتجمع الخبرات المتقاربة في مراكز تميز متخصصة، تتشكل بيئات علمية أكثر إنتاجية وقدرة على الابتكار. فبدلًا من توزيع أعداد محدودة من الخبراء على مواقع متعددة، يمكن بناء مراكز وطنية تتميز كل منها بمجال محدد، وتستقطب الباحثين والأجهزة والخبرات المرتبطة به. هذا النموذج لا يرفع كفاءة الإنفاق فحسب، بل يسهم أيضًا في بناء كتل علمية قادرة على المنافسة عالميًا.

وبالطبع، فإن تطبيق مثل هذا التوجه لا يخلو من التحديات. فالجهات البحثية تسعى بطبيعتها إلى الحفاظ على مواردها وتعزيز ميزتها التنافسية. كما أن مشاركة المعدات والخبرات قد تفرض أعباء تشغيلية وإدارية إضافية. إلا أن هذه التحديات يمكن معالجتها من خلال أطر حوكمة واضحة، ومؤشرات أداء مؤسسية تشجع على المشاركة والتعاون بدلًا من الاكتفاء بقياس الأداء على المستوى المؤسسي الضيق، بالإضافة إلى آليات تضمن حقوق جميع الأطراف وتحقق التوازن بين المصلحة المؤسسية والمصلحة الوطنية.

وأخيرًا، فإن تحقيق كفاءة أعلى في الإنفاق البحثي لا يعني تقليل الاستثمار في البحث والتطوير، بل يعني توجيه الموارد بصورة أكثر كفاءة. فعندما تصبح المعدات والخبرات البحثية موارد وطنية متاحة ضمن إطار وطني منظم وفعال، فإننا لا نرفع كفاءة الإنفاق فحسب، بل نوسع القدرة البحثية للمملكة، ونسرع وتيرة الابتكار، ونضع أساسًا أكثر استدامة لاقتصاد المعرفة الذي نسعى إلى بنائه.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط