اذهبوا إلى "الهزيمة" ..!

أحمد الفهيد
أحمد الفهيد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة


يقول ريتشارد كراولي: "عندما يتحول عيب إلى عادة، تَصعبُ مكافحته .. لكنه عندما يتطلب منا مواقف جديدة، قرارات وخيارات، نعي عندئذ حقيقة كونه لا يستحق هذا القدر من الجهد".

ويقول باولو كويلهو: "لقد خفتُ حتى لحظة توقيفنا، أما وقد وقعت في الأسر فلِمَ أخافُ مما قد وقع؟!.. وقت الخوف انتهى؛ بدأ الآن وقت الأمل".

أما أنا فأقول إن "الهزيمة في كرة القدم السعودية تولد خارج الملعب، لكنها تتربى فيه" .. إذ تسرف إدارات الأندية وعلى رؤوسها رؤساؤها، في خلع مآزر الذنب من على اللاعبين وإلباسها كل الناس.

تطوي هذه الادارات سجادة "الاعتذار" من تحت أقدام الجماهير، وتفلُّ بدلاً عنها سجادة "الأعذار" تحت أقدام اللاعبين .. وكأنها تقول لهم: "اذهبوا إلى هزيمة أخرى، وإنَّا بينكم وبينهم سدّاً!"

حين يخسر الهلال آسيا - وهو يخسرها منذ ١١ عاماً - كان يلقي باللائمة على كل أحد، الحكم، المدرب، الملعب، منتخب البلاد، الصحافة، اتحاد الكرة، واتحاد القدم الآسيوي، والمرة الوحيدة التي تحمّل فيها الرئيس "الهزيمة"، اعلن استقالته .. لكنه عدل عنها قبل أن يتنفس صبح اليوم التالي، بل إنه اعترف مرة على ملأ أن "العالمية صعبة قوية"، وقبله صاحت جماهير فريقه بالعبارة نفسها في ملعب المباراة، وليس في التلفزيون كما فعل هو .. لكن اين اللاعبون من هذا كلّه؟!.. لم يمسسهم توبيخا ولم تطالهم يد الإقصاء، وإنما قيل لهم: "اذهبوا إلى هزيمة أخرى، وإنَّا بينكم وبينهم سدّاً!"!

إدارة الاتحاد التي تعيش منذ ٩ اشهر في "كبد"، فعلت الصعب والمخيف جداً، حين جزّت خمس رقاب من سبع كانت يانعة، وقطوفها دانية .. وحين نجت بنصف جسدها من الحريق الهائل الذي اندلع في اعقاب جرأتها على "المقدّس" الاتحادي، لكنها بعد أن قفزت الخندق العريض، عادت لتقول للاعبين: "اذهبوا إلى الهزيمة .. وإنَّا بينكم وبينهم سدّاً"، وما "بيانها" الأخير الذي جمعت فيه القديم والجديد، وعلقت به في رقاب اتحاد القدم ولجانه وِزر "خمسة" الهلال، وما سبقها من قنوط وسقوط، إلا محاولة صريحة، لوضع الحمل الثقيل من على أكتاف اللاعبين، لتتولى أي اكتاف أخرى أمر حمله، حتى لو كانت أكتاف الصحافيين في ثلاث صحف، اُعلنت القطيعة مع واحدة منها، وبثت شكوى رسمية ضد الثانية، فيما طال الثالثة شجبٌ طفيفٌ لطيف.

وكأن الادارة الاتحادية قالت للاعبيها على لسان "البيان": "كنتم على قدر عالٍ من الأداء، والالتزام بمسؤوليتكم تجاه التاريخ والحشود، لكنهم تكاتفوا عليكم فهزموكم .. وسيفعلون ذلك كل مرّة، ولذلك،اذهبوا إلى الهزيمة دائماً .. وإنَّا بينكم وبينهم سدّاً"!

الأهلي الذي لم يلمس كأس آسيا، منذ أن ولد قبل ٧٦ عاماً، قالت جماهيره للاعبيه قبل المواجهة الآسيوية الأخيرة ضد الكوري المتهالك "سيول"، في "بيان" "تويتري" بارد، ينزع "الروح" من مكانها ويضع فيه "فراغا" مخيفا، كُتب تحت هذا العنوان: "آسيا تؤكد .. الملكي أول من زار القارّة"، وكأن الجماهير قالت للاعبين وهم في طريقهم إلى الفوز: ليس مهماً أن تفوزوا .. البطولة ليست اللقب الوحيد الذي يمكن أن يتحقق، هناك ألقاب أخرى ايضاً يجدر التباهي بها، مثل أنكم "أول فريق عربي ينظم بطولة الأندية الآسيوية ويحل وصيفاً لبطلها" .. ولهذا هُزم الأهلي، لأن الفوز لم يكن الشيء الوحيد الذي يبهج المدرجات!

الأمر في النصر، يأخذ شكل قلب ينبض بهزال، ويوشك على "السكتة"، بسبب اتخامه بالحزن .. ومع ذلك فإنه يحتال على وجعه بفرح "مزوّر"، اذ يخسر الفريق البطولة تلو اختها .. وتستقبل شباكه الخمسة بعد الخمسة، ويذوب "الديربي" من قائمة التحدي ذوباناً سريعاً، فيما إدارته وجماهيره تزرع الأمكنة والأزمنة بالمبررات "الراهية"، والأعذار الواهية، والشعارات الزاهية .. ولا تحصد إلا الهزيمة منذ اعوام تعدُّ على اصابع ايدٍ كثيرة .. وحين خسر "العالمي" الموسم الفائت نهائي كأس ولي العهد أمام الندّ الأزرق، لم تصب الحسرة جماهيره، ولم يلج القهر إلى قلوبهم، وإنما ذهبوا آلافا للنادي، واصطفوا في مدرجات ملعب التدريب وهتفوا لـ "المهزومين" نشيد "الفوز" ... وبعد أيام معدودات، خرج النصر من كأس الاتحاد العربي بـ "ثلاثة" و"بصقة" .. أتدرون لماذا؟!.. لأن الجماهير حين حضرت وصفقت و"صفّرت" وشجعت، قالت للاعبين:"اذهبوا إلى هزيمة أخرى، وإنَّا معكم مهزومون!"!


"الهزيمة في كرة القدم السعودية تولد خارج الملعب، لكنها تتربى فيه" .. والذين يريدون الفوز يجب أن يربوا اللاعبين، على انه "لا يمكنهم الانتصار .. إذا كانوا مستعدين لقبول الهزيمة"، كما قال فينس لومباردي.‬‬

‬* نقلاً عن "عكاظ اليوم " السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.