خمس دقائق بعد المئة
لماذا علينا أن نحب كرة القدم؟ لأننا مفتونون باللذات السريعة، فرح يستغرق تحضيره 90 دقيقة وحسب، لم نعد قادرين على استهلاك حصة كبيرة من الصبر لنحصل على مفاجأة مبهجة. لأننا محبطون، نتكئ على هزيمة فريق حتى نبرر لأنفسنا إحساس الخيبة، نحزن موقتاً على خسارة لم نكن سبب حدوثها، ولكننا مستعدون للمشاركة في دفع ضريبتها.
نحب كرة القدم لأننا عندما نقول للعالم إنّا أنجزنا شيئاً يخصنا، كانوا يشعروننا بتفاهة أحلامنا، ونحن نفضل مقاسمة سعادتنا مع الآخرين، ونعود بعدها لنقول لهم عن انتصار الفريق الذي نحبه، لعلهم يفرحون معنا.
إننا ما عدنا قادرين على الغناء مع محمد عبده: «يا ريتني أملك الأفراح وأتصرف بها وحدي»، لأن ذلك يضعنا في مأزق معرفة ما يبعث على الفرح، ولسوء التجربة فإننا لدينا قائمة بكل الأشياء المسببة للحزن، المزعجة والمربكة، واختبرنا غالبيتها، أو عايشها عزيز على قلوبنا.
نحب كرة القدم لأن هزيمة الخصم تشفي الجزء المخذول فينا، تربت على محاولتنا الفاشلة، وتلهمنا بالطريقة التي يعود فيها فريق من الخسارة إلى الفوز في آخر وقت المباراة أنه ما زال أمامنا فرصة، وإمكان الظفر بالنجاح يربي الأمل في داخلنا.
نحب كرة القدم لأن توزيع اللاعبين في الملعب يشبه حظوظنا، لسنا جميعاً قادرين على أداء كل هذه الأدوار، أحدنا عليه أن يتكفل بحماية نقاط ضعفنا، شخص آخر عليه تقديم المساندة ومساعدتنا وصناعة الفرص، هناك شخص موهوب في تحقيق الهدف، هذا العمل الجماعي يخفف علينا العبء، ويبقينا صالحين للعمل وفق منظومة متكاملة، لأن الإنجاز عبارة عن عمل فردي متتابع مع نسيج الجماعة.
نحب كرة القدم، لأننا على المستوى الشخصي مضطرون أن نكون في موقع الحارس، ونناضل بقوة لحماية رغباتنا، ندافع بشجاعة عن فرصنا، نؤدي دور الوسيط عندما يتعلق الأمر بمن يختصر علينا مشواراً طويلاً بقفزة، وفي لحظة ما نحن من يسدد الهدف، وحينها نكون حققنا بشكل يسير بعض التزاماتنا تجاه وظيفتنا في الحياة.
نحب كرة القدم لأن الانتظار في وقت مفتوح هو بوابة ضياع، لأن اللعبة تبدو ثقيلة عندما تجهل متى ينتهي هذا التعب، لأن من يلعب عليه أن ينزع عن معصمه ساعته ويتفرغ للصراع، ومسألة الوقت مهمة من يضبط الإيقاع، والفرقة الموسيقية مشغولة بصناعة المتعة فقط.
*نقلا عن الحياة السعودية