المونديال وذكريات الطفولة
في أمسية الخميس الأخير من مايو، ومع دوران عجلات القطار الذي استقله نحو الإسكندرية، شخصت ببصري نحو النافذة وعدت بالزمان إلى 28 عاما للخلف.
في صيف 1986 ووسط أجواء صعيد مصر ذات الحرارة الملتهبة تذكرت ذلك الطفل النحيل الذي أكمل بالكاد السادسة من عمره، وقصة تعرفه على المونديال ..وماذا يعني كأس العالم ؟ ..بالرغم من أنه كان مرجعا لدى الكبار بتبحره في عالم كرة القدم المصرية حتى أطلق من بلغوا أكثر من ضعفي عمره اسم "باركر" نسبه إلي المدرب الإنجليزي الذي كان يقود الزمالك في ذلك التوقيت.
دييجو أرماندو مارادونا ..(26) سنة ..كابتن الأرجنتين ..كلمات شهيرة للمعلق المصري ميمي الشربيني ، باتت وكأنها لحن لأنشودة تهواها الآذان وتطرب لسماعها ، لا تمر من شارع إلا وتجد من تداعب قدمه كرة القدم يردد هذه الكلمات ويري في نفسه الأسطورة الذي لم يكن مجرد لاعب بل كان منتخب.
الهوس بمارادونا جعل أحد المصريين في الجنوب يقرر أن يطلق اسمه على مولوده الجديد، لكن محاولته باءت بالفشل بسبب رفض موظف الصحة أن يستخرج شهادة ميلاد للطفل بهذا الاسم ليغتال حلم الأب العاشق للنجم الأسطوري، غير أن ذلك الصعيدي قرر أن يخرج من هذا المأزق بأن يكون اسم أبنه في الأوراق الرسمية "رمضان" على أن يكون مارادونا هو اسم شهرته ، تلك قصة سكنت في عقل باركر الذي لم يعش احلام طفولته إلا مع كرة القدم، رواها له أحد الكبار ومن فرط عشقه للمستديرة آمن بها.
صوت أجش ممزوجا بانفعال عنيف يحمل نبرة التوبيخ القي به أحد أقارب باركر على مسامعه " يبدو أنك ترى نفسك شوماخر" ..، وذلك بعد غامر الطفل الصغير وقرر أن يجازف و يسدد الكرة على طريقة حراس المرمى باليد ثم القدم ، دون أن يضع في حساباته أن الكرة ستستقر بين أحضان أشواك النخيل الذي ينتشر حول الملعب، وكان صاحب الكرة قد اشتراها في أغلب الظن خصيصا كي تكون نهاية عمرها بهذا الشكل الدرامي حتى يحصل على ثمنها ممن أنهى أمرها ، لكن باركر لم يهتم بذلك وكان كل ما يدور في خلده فقط أنه تقمص دور حارس مرمى ألمانيا العظيم ، وكانت المفاجأة أن الكرة لم يصبها أي مكروه وكأن القدر يأبى أن يكتب لها النهاية بتسديدة من قدمه.
مع كل مونديال تبقي قصص الطفولة الخالدة التي تسكن العقل و الفؤاد تقهر المصاعب و عوامل الدهر ، يظل ألبوم صور اللاعبين وروزنامة مواعيد المباريات المكتوبة بالقلم الرصاص من أجل وضع النتيجة و تسجيل اسماء من هزوا الشباك قبل انتشار وسائل التكنولوجيا الحديثة ، لتثير بهجة في النفس ، لم يوقفها سوى وصول القطار محطة سيدي جابر.