.
.
.
.

انعدام رؤية؟

سهيل الحويك

نشر في: آخر تحديث:

يُعرف عن رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم السويسري جوزيف بلاتر، بكونه صاحب الأفكار «الدخيلة» على اللعبة الأكثر شعبية في العالم، ولعل أبرزها ما جرى طرحه قبل سنوات ويتمحور على تنظيم بطولة كأس العالم مرة كل سنتين، وليس كل اربع سنوات كما هو معمول به منذ ولادتها في 1930.

من جانبه، بدا رئيس الاتحاد الأوروبي للعبة الفرنسي ميشال بلاتيني، أكثر تعقّلاً حتى عندما طرح فكرة توزيع مباريات بطولة كأس الأمم الاوروبية 2020 على 13 دولة مختلفة للمرة الأولى في تاريخ المسابقة العريقة التي ابصرت النور العام 1960.

اقترح بلاتيني الفكرة بهدف تقليص التكاليف من خلال استخدام الملاعب والتجهيزات الرياضية والبنى التحتية الموجودة فعلاً في ملاعب «القارة العجوز»، وأيضاً للاحتفال بالذكرى الستين للبطولة، الا انه بدا «خارج النص» تماماً قبل أيام عندما «رمى» بفكرة أخرى ترمي الى توجيه دعوة الى منتخب اميركي جنوبي وربما آخر آسيوي للمشاركة في «يورو 2020».

ادخال تعديل بهذه الأهمية سيدفع عدداً من الاتحادات الوطنية الاوروبية، ان لم نقل كلها، الى الاعتراض لأن الفكرة برمّتها تفتقد المنطق. وان حصل ووجهت الدعوة الى المنتخب البرازيلي أو الأرجنتيني القادرين بحق على التفوق على منتخبات أوروبية عتيدة وتُوِّج أحدهما باللقب، فهل يعقل اذذاك أن تتبنّى الصحف على صدر صفحاتها الأولى عنواناً يقول: «البرازيل بطلةٌٌ لأوروبا»؟

لطالما كان لـ«القارة العجوز» خصوصيتها، ويتوجب على بلاتيني الذي خلف السويدي لينارت يوهانسون في سدة رئاسة «يويفا» ان يحافظ على موقع بطولة كأس الأمم الأوروبية، كثاني أهم بطولات المنتخبات بعد كأس العالم بالتأكيد، وتفادي تعريضها للخدش كما يحصل مع بطولة كأس الأمم الأميركية الجنوبية. فقد دأب الاتحاد الاميركي الجنوبي للعبة بين الفينة والأخرى، على توجيه دعوات لدول واقعة خارج «منطقته» الجغرافية والرياضية للمشاركة في مسابقته الأهم.

في احدى المرات، خاضت اليابان غمار «كوبا أميركا»، فيما تظهر المكسيك بصورة دورية في البطولة على رغم كونها تقع في منطقة «الكونكاكاف» (أميركا الشمالية والوسطى والبحر الكاريبي)، وكذلك الحال بالنسبة الى الولايات المتحدة الاميركية وهندوراس. بدت البطولة في كل مرة يخوض غمارها منتخب من «خارج الحدود» وكأنها دورة ودية تفتقد الجدية، اذ كيف سيستوعب «مجتمع كرة القدم» مثلاً أن تتوج «اليابان بطلة لأميركا الجنوبية»؟ وكيف سيتقبل السجل الذهبي تأريخاً من هذا النوع؟

يذكر ان اليابان خاضت غمار نسخة 2011 الأخيرة من البطولة في الارجنتين التي شهدت تتويج الأوروجواي على حساب البارجواي في النهائي.

ومن حسن حظ اميركا الجنوبية ان بطولتها العريقة التي انطلقت العام 1916 وتعتبر الاقدم على صعيد المنتخبات في العالم، لم تشهد تتويجاً لغير «أصحاب الحق»، أقلّه حتى اليوم.

تخسر «كوبا اميركا» الكثير من صدقيتها في كل مرة تسمح بمشاركة دخلاء في منافساتها، ولا شك في أن على بلاتيني القاء نظرة على هذا الواقع البعيد كل البعد عن اي منطق قبل طرح فكرته رسمياً.

اليابان نفسها أنقذت بطولة كأس الامم الآسيوية 2011 في قطر عندما حرمت استراليا، الغريبة عن «القارة الصفراء»، تزعم الأخيرة (فازت عليها 1 - صفر في النهائي).

تقع استراليا في قارة اوقيانيا، بيد انها تقدمت بطلب لتصبح ضمن الجسم الآسيوي بهدف الحصول على فرصة أكبر لبلوغ نهائيات كأس العالم، وخصوصاً انها حرمت طويلاً «العرس العالمي» نتيجة أنظمة الاتحاد الدولي التي تحتم على بطل التصفيات الاوقيانية خوض ملحق، لطالما جمعه بمنتخبات اعلى منه كعباً من قارة أخرى.

ستستضيف استراليا، التي باتت آسيوية الهوى ابتداء من 2005، بطولة «أمم آسيا» سنة 2015، وستحظى بفرصة ذهبية للتتويج باللقب نظراً الى توزع غالبية لاعبي منتخبها على النوادي الأوروبية، الا ان المشكلة ستفرض نفسها في حال انتزعت الكأس الفضية، اذ ستصبح بطلةً لقارة لا تنتمي اليها جغرافياً. وكان بلاتر وعد اوستراليا بمقعد مؤهل مباشرة لكأس العالم عن قارة اوقيانيا، فما كان منها الا ان شكرته من خلال المساهمة في تجديد انتخابه رئيسا لـ«فيفا».

بلاتر فاز في الانتخابات ثم رضخ لضغوط الاتحاد الاميركي الجنوبي الذي رأى ان حصول اوقيانيا على مقعد مباشر تمّ على حسابه. تراجع السويسري عن قرار منح اوقيانيا المقعد المباشر، فوجدت استراليا نفسها كالمطعون في الظهر. ويقال ان بلاتر شعر بخطر فقدان دعم احد الاتحادات «الحليفة» الكبرى، لذا راح يعمل خلف الكواليس مع القيمين على الاتحاد الآسيوي بغية اقحام استراليا في منظومة الأخير، حيث الطريق الى تأهل دائم للمونديال أمر شبه مؤكد.

قد يكون الاتحاد الأوروبي وافق على انضمام اسرائيل الى عائلته بعدما تقطعت السبل بمنتخبها، اثر «طرده» من الأسرة الآسيوية بضغط من الدول العربية حينذاك، بيد ان أوروبا تعي جيداً ان اسرائيل لا يمكنها بتاتاً أن تهدد سطوة الكبار كألمانيا وانجلترا وايطاليا واسبانيا وفرنسا وهولندا، وتحديداً في بطولة كأس الأمم والبطولات الخاصة بالنوادي.

هي دروس تفيد بأن لكل قارة خصوصية، ولا بد من طرح اسئلة قبل طرح افكار، ابرزها: من يشارك عن اوروبا في بطولة كأس القارات في قطر اذا توج «راقصو السامبا» أو «راقصو التانجو» بـ«يورو 2020»؟

قد لا يكون بلاتيني على رأس الاتحاد الأوروبي حينذاك، لكن ما قد يحصل سيكون احد أركان ارثه... الذي لن ولا يشرّف «قارة عجوز» لطالما اعتزت بخصوصيتها.

*نقلا عن الرأي الكويتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.