.
.
.
.

عندما يبكي ماراكانا

عز الدين ميهوبي

نشر في: آخر تحديث:

أغلق ماراكانا أبوابه وأطفأ أضواءه، وقال للآلاف ممن قضوا شهراً كاملاً يهتفون بكل اللغات ولشتى الألوان «ارحلوا في سلام».. ثم انزوى جانباً يبكي فرحاً بإسعاد العالم وحسرة لأن البرازيليين لم يرقصوا السامبا كما اعتادوا، وأعلنت البرازيل نهاية عرسها الذي شد أنفاس العالم، بالرغم من الأزمات الدموية في عديد البلدان وبخاصة الشرق الأوسط الذي لم يعد له من قدر سوى أن يستسلم للموت والفجيعة.

نعم، لقد كسب البرازيليون الرهان بتنظيم كأس عالم متميّزة، لكنهم خسروا بأداء منتخبهم المخيّب للآمال، إذ إنه قضى منذ مباراة اليوم الأول على مقولة «البرازيل منتخب من لا منتخب له» لتصبح المقولة «البرازيل منتخب من لا خيبة له»، إذ أن سكولاري الذي منح أرض الكرة الراقيّة النجمة الخامسة فشل في أن يخترق أسوار التّاريخ فيحصل على كأسين عالميتين، ومثلما تقول الحكمة «لا يمكن أن نعثر على البيض مرتين في العش»، ومع هذا يقول للجماهير «سأبقى».

عادت المنتخبات المشاركة إلى ديارها، بعضها يرقص فرحاً لأنه حقق أهدافه وأسعد جماهيره، وبعضها يعض على أصابع الندم لأنه باع جلد الدبّ قبل صيده، وبعضها راهن على بلوغ هذا الدور فتجاوزه بدورين وتلك نعمة كروية، وبعضها قام بحرق أوراقه بسبب فشل خططه، وبعضها تمنى لو لم يشارك أصلاً حتى لا يقذف الطماطم والبيتزا في المطار.. وبعضها عاد ليجد استدعاءً بالمثول أمام غرفة البرلمان ليشرح أسباب الإقصاء، وبعضها أغرق في بكاء هستيري، كما الشأن بالنسبة للبرازيل، حيث طالب الشعب بمحاكمة الكل بدءاً بالرئيسة إلى الكتيبة الخسيسة، وأن الفساد الذي طال عملية إعداد البنية التحتية للمونديال صار أهون من هزائم نكراء لا يمكن محوها بمياه نهر الأمازون.. وبعضها لم يشارك أصلاً لكنه يقول في رعونة «لو تأهلت لفعلت أفضل من هذا المنتخب»، وما أحلاها رقصة في الظلام.

أغلق بلاتر أبواب الطبعة العشرين خلفه، سعيداً بما يسمعه من ثناء، ليدق أبواب موسكو ويشرع في أسئلته المعتادة «هل أنتم جاهزون؟» فيأتيه صوت بوتين من وراء الباب الخشبيّ السميك للكريملين «وما دخلك أنت؟ أمامنا أربع سنوات».. فيتجه كبير الفيفا إلى الدّوحة ويسأل «إنهم يضغطون عليّ بشأن ملفكم، فماذا تقولون؟» فيأتيه رد من سوق واقف «نحن جاهزون إذا أردتم أن تستبقوا مونديال موسكو..» فيسقط في يده، ويقول لمن حوله «ابحثوا لي عن قضية أشغل بها الرأي العام».. وهكذا يدخل العالم بوابة الطبعة القادمة، بكثير من الأمل في أن تتخلّص روسيا من كابوس البرازيل، أي أنها تفوز على بلجيكا في افتتاح مونديال 2018 بملعب لوجنيكي بموسكو، وتتعادل مع تونس في المباراة الثّانيّة، وتفوز على اليابان في الثالثة، وتتخطى البرتغال بصعوبة بعد تعادل شاق، وتهزم إيطاليا بانحياز واضح للحكم في ربع النهائي، وترجع خالية الوفاض من النصف نهائي بعد خسارة تاريخيّة أمام ألمانيا، وفشل في نيل المركز الرابع أمام الجارة المتمردة أوكرانيا.. فلا يجد بوتين سوى أن يرسل الفريق ومن يقف حوله إلى سيبيريا لقضاء عطلة من خمسة نجوم..

هو مجرد سيناريو، يمكنه أن يتكرّر، طالما أن البرازيل أرض الكرة الساحرة، تدخل التاريخ من بابه الخلفي، ويشعر اللاعبون بالخزي والمذلة لأنهم نجحوا في محو مائة عام من التألق.. بعد ألف وخمسمائة يوم سيشاهد الناس منتخباً برازيلياً مختلفاً، بينما يقول الروس «الحمد لله لم تضعنا القرعة في مجموعة محاربي الجزائر.. وأن كابيللو أحال نفسه على التقاعد».

*نقلا عن الاتحاد الإماراتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.