لا تكن مريضاً بتصديق كل شيء ..!

أحمد الفهيد
أحمد الفهيد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

(١)
"أعجبنا "آرغو"، فيلم بن أفلك الذي منح جائزة الأوسكار في 2013، لكن علينا اليوم أن نفصل بين الحقيقة والخيال" .. هذه العبارة - القصيرة كأبرة خياطة ملقاة على الأرض - أفتتحت بها وكالة الإستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه)
سلسلة تغريدات على حسابها الرسمي في موقع التواصل الإجتماعي "تويتر"، بغية تصحيح الأخطاء التي وقع فيها منتجو الفيلم، وإعادة سرد القصة كما حدثت بين 4 نوفمبر 1979 و 20 يناير 1981، وليس كما تخيلها فريق العمل.

(٢)
.. وعددت الوكالة 5 كذبات، دُسَّت خلسة في مشاهد الفيلم .. الذي اخرجه الممثل وكاتب السيناريو الأميركي بن أفليك، و أعتبرت أنها تزييف للحقيقة، ومحاولة غير نزيهة، لجعل الكذب جزءاً من تاريخ المهمة التي كانت تقتضي إنقاذ 52 دبلوماسياً، ومدنياً أميركياً، احتُجزوا كرهائن، من قبل طلاب إيرانيين، في سفارة الولايات المتحدة في طهران.

(٣)
الكذبة الأولى: من الخيال أنه فور اقتحام السفارة الأميركية لجأ الدبلوماسيون الأميركيون الستة مباشرة إلى منزل السفير الكندي حيث اختبأوا ثلاثة أشهر .. والصحيح، أن خمسة منهم لجأوا إلى مخابئ مختلفة، والسادس نام على أرض سفارة السويد، قبل أن يتم جمعهم في منزل السفير الكندي!

الكذبة الثانية: إثنان من رجالنا توجها إلى طهران لتنفيذ العملية، وليس واحدا فقط كما عُرض في الفيلم.

الكذبة الثالثة: في الفيلم .. اُحتجز الأميركيون في المطار من قبل حراس إيرانيين، ووجه نداء إلى "دار الإنتاج" أستوديو "سيكس" للتحقق من هوياتهم .. والحقيقة أنه لم يحدث شيء من هذا في الواقع، فقد تم اختيار رحلة تقلع فجراً ليكون موظفو الشركة الجوية متعبين وحراس الثورة نائمين.

الكذبة الرابعة: في الفيلم أيضاً، وخلال الاستعداد للرحلة، تمكن الإيرانيون من إعادة لصق "وثائق تم تمزيقها، وظهر وجه أميركي، تلا ذلك مطاردة للطائرة على المهبط في محاولة لمنع إقلاعها" .. والقصة كما حدثت فعلاً، هي أن الإيرانيين أعادوا تجميع الوثائق التي مُزقت، لكن لم يظهر أي وجه .. ولم تجر أي عملية لمطاردة الطائرة.

الكذبة الخامسة: باستثناء تأخير لساعة بسبب مشكلة تقنية، جرت عملية الهرب بشكل رائع.

(٤)
خمس كذبات، أعيد تطهيرها في فيلم سينمائي لتصبح جزءاً من القصة الحقيقية .. هكذا، ببساطة شديدة، جلس بن أفليك في مكتبة، وأعاد كتابة التاريخ .. محا ما كرهه منه، وأضاف إليه ما اشتهى أن يكون فيه .. كان مهتماً بالترويج كذباً لرجل شجاع، وذكي، هزم لوحده بلداً بأكمله .. ألغى الرجل الثاني في المهمة الكبيرة، لأنه أراد للقصة أن تصبح أكثر إثارة، وتجري على ألسن الرواة المتأخرين (وأنا أحدهم)، بهذا السياق المفتعل .. والذي يجعل من كل رجل أميركي طوق نجاة محتمل .. و أملاً أخيراً في القضاء على الشر، والإبقاء على حوافر "الخير" تتصدر السباق.

(٥)
كنت أحد الذين حضروا الفيلم .. وحفظوا المشاهد المهمة في قصته، تمهيداً لروايتها مرّات عدة، للأشقاء والأصدقاء وذوي القربى وابن السبيل .. لولا أن حبسني عن ذلك حابس، حتى قرأت "صدفة" تغريدات وكالة الإستخبارات المركزية الأميركية، وكأنها قالت لي، وهي تبتسم ساخرة: "لا تكن مريضاً بتصديق كل شيء .. ما تراه ليس كله حقيقة .. ما تراه ليس كل الحقيقة"

(٦)
حسناً .. لماذا كتبت كل ما جاء أعلاه؟!..
لأقول بطريقة مؤدبة جداً، أن كرة القدم السعودية بما فيها ومن فيها، هي فيلم أميركي آخر .. وتعج بأشباه بن أفليك، الذين يضعون الكذب مقام الصدق .. ويملأون بُطُون القصص الحقيقية بالأحداث المُلفقة، التي تتحول مع تقدم العمر، وتقادم الأمر، إلى تاريخ موثق، فيما الحقيقة تنتبذ من لججهم وأيمانهم مكاناً قصيا.

*نقلا عن الرياضي السعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.