عن الهويات القاتلة مرة أخرى
رفض بلال فرانك ريبيري العودة مرة أخرى لمنتخب الديكة الفرنسية، وقال بمزاجية عالية لا تكلموني باللغة الفرنسية، لأنني لن أرد عليكم سوى بالألمانية، وقولوا ما شئتم عني.. ومع ذلك فإن كثيراً من الفرنسيين يحبون ريبيري على رغم أنه يهين جهاراً نهاراً الهوية الفرنسية.
وخرج نبيل فقير من دوامة الحيرة التي لازمته طويلاً ليختار فرنسا على رغم ضغط العائلة التي وجدت في هذا الاختيار حرجاً كبيراً لها، وكأن الأمر يتعلق بردة أو خيانة.. واعتقد صاحب الـ21 ربيعاً أن الأمر ينتهي بمجرد أن يرتدي قميص ريبيري في مواجهة البرازيل، إلا أن صافرات الاستهجان ارتفعت عالية في الملعب، فلم يفهم الناس ما إذا كان المصفرون يعبرون لفقير عن رفضهم لاختياره فرنسا، وإشعاره بالخطأ، أم أنهم من جمهور فرنسي يحمل مشاعر وطنية أصلية، وغير صادق في تشجيع منتخب فرنسا. وهو ما كان الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي أثاره من خلال فتح نقاش حول الهوية في فرنسا والولاء للدولة المضيفة، ولم ينجح في ذلك، لأن امتحان فقير وحده يكفي للتأكيد أن الوطنية هي تلك الهوية النائمة التي تستيقظ في لحظة ما، أما المواطنة فهي ليست أكثر من ميثاق شرف يجمع عدداً من الهويات على أساس قاعدة المصلحة المشتركة والحقوق والواجبات وليس الدم والانتماء.
المسألة نفسها أثارها الألماني ذو الأصول التركية مسعود أوزيل نجم أرسنال، عندما انتفض غاضباً في وجه صحافي مجلة «بيلد» بقوله: «أنا لا أفهم لماذا لا يقولون عن سامي خضيرة إنه تونسي الأصل، وعن بودولسكي وكلوزه أنهما بولونديا الأب والأم، بينما لا يتوقفون في تذكير الناس بأصولي التركية. أنا الذي جمعت بين ثقافتين هما الانضباط والتكتيك الألماني والتقنية التركية».
إن صرخة أوزيل، هي بلا شك تحمل الكثير من الدلالات في مجتمع تنتشر فيه الأفكار اليمينية والعنصرية المتطرفة، التي تنظر إلى الأجناس الأخرى التي أفادت في بناء ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية على أنها عبء على ألمانيا التي وحدها بيسمارك وفجرها هتلر وجمع أشتاتها كول وأرست دعائم قوتها ميركل، ورفع شأنها المانشافت الألماني بمزيج الهويات الألمانية والبولندية والتركية والبرازيلية والغانية والتركية، وما كان لهذا أن يتحقق لو لم يشهد العالم عصر العولمة التي أسقطت حدود الجنسية، وأنتجت انتماءات جديدة لا تكاد تعترف برابطة الدم، ولكن تأخذ برابطة المولد والثقافة.
وكان دييغو كوستا عاش الحال نفسها مع منتخب البرازيل، حين انتظر دعوة من سكولاري من دون أن يطرق بابه ساعي البريد، فلم يتردد في الاستجابة لدعوة ديل بوسكي ليكون إسبانياً بحكم النشأة والتعلق بالمجتمع الذي أحبه وكسب فيه قوته وقوته.
لقد كتب أمين معلوف «الهويات القاتلة» منذ أكثر من 20 عاماً، وهو الذي عاش وعايش هم الهوية في فرنسا، وما تفرزه من تمزق في النسيج الاجتماعي، وما تفرضه من واقع شوزيفريني قاتل، إذ يجد المرء نفسه منجذباً لدم آبائه، ولكنه لا يعرف كيف يقاوم إغراءات الأرض التي لم يعرف غيرها، وهو ما يجعل السياسة عاجزة عن تفكيك سؤال الهوية المغلق.
*نقلا عن الحياة اللندنية