.
.
.
.

“قنابل رخيصة” .. لا تقتل أحداً

أحمد الفهيد

نشر في: آخر تحديث:

(١)
هل أنا متعصب؟!.. : نعم، هل أنت كذلك؟!.. : نعم، هل هم مثلنا؟!.. : نعم .. إذن كيف يمكننا ونحن نشترك في الجريمة نفسها اتهام قتلة آخرين بارتكابها؟!
(٢)
سؤال آخر: هل يوجد في العالم إنسان غير متعصب؟!.. الإجابة الصحيحة هي: لا!
(٣)
هذه ورطة .. محاولة الإجابة على سؤال عام وعائم، ليست سوى ورطة، يمكن التخلص منها برصّ مجموعة من العبارات الفخمة، والضخمة فوق بعضها البعض حتى تصبح كافية لنختبئ وراءها ..
(٤)

كأن نقول مثلاً: ما يحدث أمراً مقلقاً، ويجب الانتباه له مبكرا قبل أن يصبح تدفق دمه أقوى من قدرة شريط لاصق على تجميده في أوردة المصابين به ..
(٥)
أو أن نقول: اذا لم نتحرك سريعا لوقف هذا الزحف البغيض، سنُطحن كلنا كما تَطحنُ حوافر الخيل جيشاً من النمل يبتغي الرزق خارج بيوته.
(٦)
حسناً .. هذا التعصب، هل هو خلق جديد، أم أنه خلية نائمة أيقظتها فتنة قائمة؟!..
(٧)
بالتأكيد إنه ليس جديداً .. منذ عقود ولّت، وهو حي يرزق .. بل إن أمورا حدثت آنذاك تحت مظلته، لو حدثت الآن لكان السجن أياما معدودات أقل “العقاب” وأهونه ..
(٨)
كل شيء حينها كان متاحاً للاستخدام .. السلطة، النفوذ، الإعلام، المال .. كان القانون “معطلاً”، وكرة القدم لم تكن سوى “ملعب” لاستعراض القوة الجائرة، وطريقةً “لِـيُخرجَنَّ الأعز منها الأذل ..”.
(٩)
جولة قصيرة في الذاكرة القريبة، ستكون كافية، لنفهم تماماً أن ما مضى من التعصب، كان أشد وطئاً، وأعوج قيلا!
(١٠)
إذن، ما الذي يحدث الآن؟!.. أليس تعصباً، أليس انفجاراً هائلاً، قائمة ضحاياه، أكثر من قدرة “قبور النسيان” على ابتلاعها .. هذه الرائحة الكريهة التي تفوح من كلماتهم، ألا تكفي لتكون إنذاراً لنا لنبدأ حملة التطهير؟!..
(١١)
هذان سؤلان كبيران، ولهذا هما أعظم من الإدلاء بهما في مناسبة صغيرة .. نعم، التعصب “الكروي” في السعودية ليس سوى مناسبة صغيرة، بل صغيرة جداً، منذ ٥٠ عاماً وهي كذلك .. ولهذا لم يحدث الانفجار الهائل، ولن يحدث.
(١٢)
وهذه السلسلة من القنابل الرخيصة، المصنوعة على هيئة شتائم علنية، وتنابز بالألقاب، وقصص بذيئة مُختَلقة، وتناقض دميم في سرد الحقيقة، وعدل يستمد أدلته من كذبة سابقة .. لن تقتل أحداً، هذه السلسة من القنابل الرخيصة، لن تقتل أحدا، وصوت دويّها لن يكون أعلى من صوت “عطسة” في ممر مكسُوّ بالرخام!
(١٣)
المدرجات، منذ أن كانت “اسمنتا” لاهباً، وحتى أصبحت مقاعد بلاستيكية ملونة، و ألسنة الجالسين فوقها لا تتوقف عن خلط اللعاب بالشتائم، ثم تبصقه في وجوه اللاعبين والحكام، والعدو في المدرج الآخر، بينما أيديهم وأصابعهم تتشكل لوحات قبيحة، ليس فيها ذرة خلق، ورجولتها ناقصة ..
(١٤)
كل الذي تغير الآن، أن مقعد المشجع في الملعب، صار في إمكانه أن يجلس عليه في “تويتر”، وأن يشتم ويبصق ويكون وقحاً وقبيحاً في كل وقت، وأحياناً كل الوقت ..
(١٥)
ما يحدث في كرة القدم السعودية، ليس “تعصباً”، وإنما هو “قلة أدب” ..
قلة الأدب لها وجه واحد بشع وقذر .. أما وجوه التعصب فتتوزع بين القبح والجمال.
(١٦)
في أوروبا المثقفة والمتعلمة، والخاضعة للقوانين، تعصبٌ يَذهبُ بالناس إلى المقابر جثثاً هامدة، ويحول مدرجات كرة القدم إلى مسرح جريمة، ويلطخ الوجوه والأجساد بالدم، بدلاً من الألوان .. وتصبح الشوارع به مساحة للرعب والموت المحتمل .. لكنهم يعاقبون القاتل المفسد، وينتصرون للضحية، ثم يذهبون إلى المشهد الذي يليه .. يتجاوزون الموت بالحياة مرة أخرى، ويتعلمون درساً مفيداً، ويعلمونه من يأتي في أعقابهم.
(١٧)
التعصب المزعج الوحيد الذي يدوس بقدميه المتسختين فوق سجادة كرة القدم السعودية، هو ما جاء مرتدياً لباس ”العنصرية البغيضة” .. والمشكلة أنه منذ خمسين عاماً وهو يحضر .. كلهم لا يرحبون به، لكنهم يوجهون له الدعوة للحضور في كل مرة .. يخجلون منه، لكنهم يحبونه، هذه “العرقية المقيتة” تتجسد في احتقار من يظن انه أعلى لمن يظن أنهم أسفل منه، وفي رغبة من يظن أنه أسفل، في سحق جمجمة من يظن أنه أعلى منه ..
(١٨)
ولهذا، يجب أن تكون كل المحاولات لعلاج التعصب .. وليس القضاء عليه، مركزة على “العنصرية”، ففيها يوجد “السمّ”، ومن “سمّ” الأفعى، يمكن استخلاص الدواء المناسب!

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.