برقيات التهنئة في ثقافتنا الرياضية
وقف القلم طويلاً قبل أن أبدأ هذا المقال، فأنا أبحث عن تعريف لما بات البعض يسميها بـ«ظاهرة» أو يطلقون عليها «بالموضة»، وغيرهم يصفها بأنها «موجة»، أي كانت المسميات فهي ظاهرة رياضية باتت تميز واقعنا الرياضي عن باقي الدول وربما ستدخله سجل غينيس للأرقام القياسية للمرة الأولى، وهي ظاهرة برقيات التهنئة والمباركة بالمناصب أو النتائج أو الاستضافات أو غيرها من الجوانب الرياضية، فحين يتم الانتهاء من تنظيم أو استضافة أو انتخاب أو فوز أو تحقيق نتيجة أو بطولة معينة أو حتى تحقيق مركز متواضع لا يرتقي لمنصة التتويج، لاحظنا الحجم الهائل والمبالغ فيه لبرقيات التهنئة والتأييد والتنافس الحثيث بين رؤساء الأندية والاتحادات وأعضاء المجالس التشريعية والشخصيات المسئولة للمسارعة وإرسال برقية للتهنئة عبر صحافتنا الرياضية. أفهم إرسال برقية خاصة - أوكد على خصوصيتها - تحمل كل معاني التهنئة والتبريكات للجهة الرياضية بنجاحها في التنظيم، أو للرئيس أو المسؤول بفوزه بالمنصب الجديد أو بتحقق نتائج معينة، لكنني لا أفهم نشرها عبر الصفحات الرياضية. فماذا يعني أن تنشر برقيات تهنئة لاتحاد رياضي ما، أو لمسؤول عن منصب ما، أو حدث معين باسم رؤساء اتحادات وأندية ومسؤولين وأعضاء السلطة التشريعية، وماذا يفهم منها؟ هل نحن بصدد حاله ترتبط بحب الظهور؟
لقد طغى على ثقافتنا وسيكولوجيتنا الرياضية المعاصرة المجاملات التي تتجاوز الحد المعقول ليس فقط في الحياة الواقعية بل في صحافتنا الرياضية أيضًا. أتساءل هل يحتاج الاتحاد التأييد للاعتراف بنجاحه في تنظيم بطولة ما؟ أو هل يحتاج المسؤول الرياضي التأييد للاعتراف بنجاحه بمنصبه أو النتائج التي حققتها الفرق الرياضية؟ أم أنه يوجد لدينا نقص في ثقافتنا الرياضية؟ هناك الكثير ممن يعتمدون بشكل أساسي على أسلوب المجاملات الرياضية ليكون جسر عبور إلى احتياجاتهم بطريقة غير مباشرة، ويتفاقم استخدام هذا الأسلوب في البيئة التي يكثر فيها التنافس بين الأفراد الذين يسعون وراء المناصب والألقاب. بعض الأسباب التي تدفع الناس لاستخدام المجاملات كأسلوب حياة قد تكون بسبب طريقة التنشئة والبيئة التي كانت تشجعهم دائمًا على الظهور بمظهر مثالي.
في الآونة الأخيرة أصبحنا نتعامل مع هذه الظاهرة وكأنها من المسلمات التي اعتدنا عليها وأدت تلك الحالة لظهور أسماء لمسؤولين على صفحات الصحف الرياضية ضمن برقيات التهنئة. ما الذي يدفع مسؤولين في أندية واتحادات وهيئات ترزخ تحت وطأة الأعباء المالية المتراكمة، والنتائج المتواضعة لنشر تهنئة في حين لا نسمع عن اسماء مسؤولين تلك الأندية والاتحادات إلا في هذه المناسبات منذ انتخابهم ولحين انتهاء ولايتهم دون أن يساهموا في تطوير أنديتهم واتحاداتهم لخدمة الرياضة والرياضيين. وهل يعتقد مسؤولو الرياضة بأن المعنيين بالمنظومة الرياضية لدينا تحكم على أداء الأندية والاتحادات والهيئات الرياضية حسب حجم برقيات التهنئة المنشور من الصفحات الرياضية.
خاتمة الرؤى، إن واحدة من مفارقات المرحلة الرياضية الراهنة تجاور ظواهر برقيات التهنئة مع ظواهر المجاملات كما لم يحدث من قبل. قد لا يرى البعض غضاضة، أو لا يعطي مثل هذه الأمور أهمية معينة إلا أن شيوع مثل هذه الظواهر تدل على اختلال في القيم الرياضية والاجتماعية. الأمر ليس مشكلة عندما يكون في حدود حالات فردية، ولكنه يصبح أكثر خطورة عندما يصبح ظاهرة رياضية اجتماعية وهو ما نعيشه ونمارسه اليوم. أخلص إلى القول: إذا أضحت هذه الظاهرة من مسلمات المرحلة الرياضية الراهنة فأنا أقترح أن تقوم صحافتنا الرياضية بفرض رسوم على كل من يريد أن ينشر تهنئة ما.
*نقلاً عن الأيام البحرينية