مباشر

الاقتصاد السعودي والتعامل مع التحديات

طلعت زكي حافظ
نشر في: آخر تحديث:

أوضح الكاتب الدكتور محمد إبراهيم السقا في مقاله المنشور في صحيفة ''الاقتصادية'' في العدد 7165 بعنوان ''السعودية.. نمو اقتصادي قوي وتحديات كامنة''، بناءً على ملخص صدر عن نتائج زيارة بعثة صندوق النقد الدولي الأخيرة للمملكة، أن الاقتصاد السعودي يواجه عددا من التحديات الكامنة رغم تحقيق المملكة لمعدلات نمو مرتفعة خلال الأعوام الخمسة الماضية.

من بين التحديات الكامنة في الاقتصاد السعودي التي أشار إليها الكاتب في المقال المذكور، التركيبة الديمغرافية للمملكة التي يمكن وصفها بصغيرة السن ومرتفعة النمو في الوقت نفسه، والتي يفترض لها أن تدفع بعجلة النمو في المملكة إلى الأمام بدخول مواطنين جدد إلى سوق العمل، غير أن المشكلة الأساسية في عدم تحقق ذلك الأمر، هو أن سوق العمل في السعودية، لا تخلق فرص عمل كافية ومناسبة لاستيعاب المواطنين نتيجة لوجود خلل هيكلي في السوق، الذي يتمثل في وفرة العمالة الأجنبية رخيصة الأجر بمبرر أو بغير مبرر اقتصادي، إضافة إلى توافر العمالة المخالفة لنظام العمل والإقامة في المملكة بأعداد كبيرة، ما أعاق من قدرة السوق على تحقيق مطلب التوطين والتوظيف، وتسبب أيضاً في ارتفاع معدلات البطالة بين الراغبين من المواطنين للدخول إلى سوق العمل.

وللتغلب على هذا الخلل الهيكلي في سوق العمل، سارعت الحكومة السعودية ممثلة في وزارة العمل بإطلاق عدد كبير جداً من المبادرات والبرامج ''أكثر من 30 مبادرة وبرنامج''، للعمل على معالجة التشوهات الهيكلية التي تعانيها السوق. فعلى سبيل المثال لا الحصر من بين تلك البرامج والمبادرات التي أطلقتها الوزارة، برنامج نطاقات، وطاقات، ولقاءات، وجدارة، وبرنامج حافز وغيرها من البرامج، هذا إضافة إلى اتخاذ الحكومة لعدد من الإجراءات والتدابير الكفيلة بتصحيح أوضاع العمالة المخافة لنظامي العمل والإقامة في المملكة، الأمر الذي سيتحقق عنه ـــ بإذن الله تعالى ـــ التعزيز من القدرة الاستيعابية للسوق والتحسين من إمكاناتها لتوظيف أكبر عدد ممكن من الشباب السعوديين من الجنسين، وهذا ما تم بالفعل فقد نجحت تلك الجهود والبرامج في توظيف أكثر من 520 ألف شاب وشابة بسوق العمل خلال فترة وجيزة جداً، الأمر الذي لم يتحقق في تاريخ سوق العمل السعودي على مدى عقود مضت.

من بين التحديات كذلك التي أشار إليها المقال، الإفراط في الاستهلاك بشكل عام، واستهلاك الطاقة بشكل خاص، باعتبار أن الطاقة مورد نابض لا محالة شئنا أم أبينا. هذا الاستهلاك الجائر على المستوى المحلي للموارد الاقتصادية في المملكة، التي من بينها الوقود ومشتقاته، والكهرباء والمياه، لابد أن تضع له الدولة حلولا مباشرة وصارمة، ولا سيما أن معدلات استهلاك المملكة للموارد الاقتصادية التي من بينها الوقود على سبيل المثال والكهرباء والمياه وخلاف ذلك، تعد من بين أعلى المعدلات على مستوى العالم، الأمر الذي يؤكد عليه ملخص دراسة حديثة نشرتها ''الاقتصادية'' في العدد 668، والتي تفيد بأن استهلاك الفرد السعودي من المياه يفوق معدل الاستهلاك العالمي بنسبة 91 في المائة، وهو ما يتجاوز الاستهلاك في المملكة المتحدة بأكثر من ست مرات. كما تشير المعلومات إلى أن استهلاك المملكة من النفط يقدر بنحو 3.5 مليون برميل يومياً ويساوي تقريباً ثلث القدرة التصديرية اليومية للمملكة من النفط الخام.

دون أدنى شك إن ما يدفع هذا الاستهلاك الجائر للموارد الاقتصادية التي يغلب عليها طابع الندرة الاقتصادية، بشكل أساسي سياسة الدعم المباشر وغير المباشر التي توفرها الدولة بسخاء لمعظم السلع والخدمات، ما تسبب بقصد أو بغير قصد في حدوث هذا الاستهلاك الجائر للموارد، وخاصة كما أشار المقال في ظل ارتفاع معدلات النمو السكاني الذي قد يهدد قدرة المملكة على تأمين الإيرادات المالية اللازمة لتمويل الإنفاق العام من خلال تصدير النفط في المستقبل.

وللتغلب على مشكلة الاستهلاك الجائر للموارد الاقتصادية في المملكة، لا بد من إعادة النظر في مستويات الأسعار التي تقدم بموجبها الخدمات الأساسية للمواطن والمقيم على حد سواء بالشكل الذي يكفل تقنين استخدام تلك الخدمات والمحافظة على الموارد الاقتصادية من النضوب، إضافة إلى ضرورة تكثيف الحملات الوطنية الخاصة بترشيد الاستهلاك على غرار حملات ترشيد الماء والكهرباء التي تطلقها وزارة المياه والكهرباء، إلى جانب الرفع من درجة كفاءة استهلاك الوقود والبحث عن مصادر بديلة لتوليد الطاقة.

خلاصة القول، إن السعودية على الرغم مما تنعم به من أداء اقتصادي متميز ومعدلات نمو جيدة، إلا أن الأمر لا يكاد يخلو من التحديات التي تواجه مسيرة التنمية الاقتصادية في المملكة، التي من بينها على سبيل المثال لا الحصر، ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب نتيجة لتشوهات واختلالات هيكلية تعانيها سوق العمل، إضافة إلى الاستهلاك الجائر للموارد الاقتصادية ذات الندرة، ما يتطلب من الدولة اتخاذ التدابير وإيجاد الحلول الصارمة التي تكفل التعامل مع تلك التحديات، حيث تتحول تلك التحديات إلى فرص تنموية تعزز من مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمملكة.

*نقلا عن الاقتصادية

قبل أن تذهب