عاجل

البث المباشر

معركة "كرامة ليبيا".. الصراع وأطرافه

المصدر: دبي - مركز العربية للدراسات

شهدت مدينة بنغازي منطلق الثورة الليبية يوم الجمعة 16 مايو 2014، عملية عسكرية يقودها اللواء ركن متقاعد خليفة حفتر القائد الأسبق للقوات البرية الليبية، أطلق عليها عملية "كرامة ليبيا"، بدعوى محاولة تطهير مدينة بنغازي من الجماعات الإرهابية والمتطرفة، التي باتت تحظى بسطوة غير مسبوقة على الجزء الشرقي من ليبيا، نظرا لتردي الوضع الأمني وضعف قدرات الدولة الليبية على بسط الأمن وهيبة الدولة على كافة التشكيلات المسلحة في البلاد التي تمثل أبرز العوائق أمام بناء المؤسسات الأمنية بشكل خاص، وباقي مؤسسات الدولة.

بينما انتقل الصراع يوم الأحد 18 مايو 2014، غربا إلى العاصمة طرابلس بين مؤيدين لتحرك حفتر وعمليته العسكرية تتقدمهم التشكيلات المسلحة للواء القعقاع وكتيبة الصواعق ولواء المدني المحسوبات على مدينة الزنتان الجبيلة الواقعة جنوب غرب طرابلس، إضافة إلى قوى قبلية ومدنية أخرى في العاصمة طرابلس، والتي دخلت في مواجهات مع الإسلاميين وتشكيلاتهم المسلحة، وقد أسفرت هي الأخرى عن تعطيل جلسة المؤتمر التي كانت مخصصة للنظر في الفريق الحكومي الذي كان مزمعا أن يقدمه رئيس الحكومة المكلف أحمد معيتيق، إضافة إلى أن الاشتباكات التي وقعت بمحيط مقر المؤتمر الوطني العام ومناطق متفرقة من طرابلس أدت إلى سقوط قتيلين على الأقل وجرح وإصابة ما لا يقل عن 55 مواطناً.

تبقى قدرة حراك حفتر على السيطرة على كافة مقاليد الوضع الأمني في البلاد مرهونة بمدى قدرته على إقناع مزيد من الأطراف الفاعلة على المستوى الأمني من التشكيلات لصفه في مواجهة التيار المتشدد وحلفائه في ليبيا، فهو لا يستطيع بقواته وحدها الانتصار الحاسم في المعركة، ولا بد له من توسيع دائرة حلفائه، أمام الفصائل المتطرفة والإٍسلامية التي تتحالف في مستويات عدة بدءا من المؤتمر الوطني العام حتى التكوين الميليشياتي، ويستهدف حفتر هذا التكتل.

التشكيلات المسلحة الممثلة في كتيبة الصواعق، ولواء المدني والقعقاع في الزنتان وطرابلس، وهي لواءات تابعة للجيش الليبي الجيش الليبي، والتي حاصرت المؤتمر الوطني العام ذي الأغلبية الإسلامية، وقد جمدت أعماله المؤتمر الوطني العام صباح اليوم 19 مايو، وتكليف لجنة الستين المنتخبة بالانتهاء من الدستور والقيام بالدور التشريعي في أضيق نطاق، واستمرار حكومة عبد الله الثني كحكومة تسيير أعمال.

خارطة الصراع وأطرافه

تبدو أطراف الصراع في بنغازي غير واضحة بشكل جلي، بسبب الخلاف في الرؤى وتقدير الموقف لدى كل طرف من أطراف الصراع حول الوضع الأمني والموقف من الحرب على الإرهاب؛ وتظهر العملية أن هناك ثلاثة أطراف في الصراع الأمني الدائر في بنغازي ودرنة وشرق ليبيا تتباين رؤاها حول العملية يمكن تحديدها في الآتي:

أولا: قوات حفتر:ـ وتضم القوات التابعة للواء خليفة حفتر ما يلي:

1- ضباطا سابقين في الجيش الليبي ممن شاركوا تحت قيادته في حرب تشاد خلال ثمانينيات القرن الماضي، وهؤلاء وجدوا أنفسهم أولا أنهم متهمون من قبل الثوار بموالاتهم لنظام العقيد معمر القذافي، ولهذا السبب رفضت رئاسة الأركان العامة للجيش الليبي دمجهم في الجيش للمشاركة مجددا في إعادة بنائه.

وقد أضحى هؤلاء الضباط هدفا مشروعا للجماعات المتطرفة بحجة أنهم من "الأزلام" ولهم ما يمكن تسميته بخصومة تاريخية معم منذ أن كانوا مع نظام القذافي؛ وهو ما دفع هؤلاء العسكريون إلى الانضمام إلى قوات حفتر من أجل التصدي لهؤلاء المتطرفين للحفاظ على حياتهم ومساعدة الدولة في القضاء على الإرهابيين.

2- كلا من كتيبة "حسن الجويفي" في برقة الحمراء وهي أكبر كتاب الجيش الليبي في الشرق. وكتيبة أولياء الدم الذي قتل أبنائهم على يد هؤلاء الإرهابيين الذين اغتالوهم غدرا في غياب واضح لكافة الأجهزة الأمنية الليبية التي تبدو ضعيفة في مواجهة هؤلاء المتطرفين.

3- القبائل الكبرى في الشرق الليبي: إذ استطاع حفتر هذه المرة التنسيق مع قيادات من قبائل كبرى في تلك المنطقة مثل العبيدات والبراعصة والعواقير والعرفة، حيث تمكن من إقناعهم إلى الانضمام إلى صفه من أجل الحرب على الإرهابيين. إضافة إلى ذلك فإن حفتر اعتمد على تضامن أهالي الشرق سيما في مدن بنغازي ودرنة التي تشهد ترديا أمنيا خطيرا، في دعم تحركه ضد المتشددين. وكذلك هناك تأييد من قبل أنصار الحراك الفيدرالي في ليبيا ومباركة لخطوات اللواء حفتر.

ثانيا: القوى المتشددة المستهدفة: هم في هذه العملية تنظيم أنصار الشريعة وكتيبة شهداء 17 فبراير وكتيبة راف الله السحاتي ومتشددين آخرين في درنة التي يسيطر عليها تنظيم القاعدة، وبنغازي، مثل جيش الشورى الإسلامي في درنة وغيره من الكيانات المتطرفة التي باتت تظهر كثيرا في المدينة التي أصبحت معقلا للتيار الجهادي، وتعلن تحديها لبناء الدولة الليبية.

وقد أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أواخر العام الماضي تنظيم أنصار الشريعة في بنغازي ودرنة "تنظيما ارهابيا" وتتهم ما لا يقل عن 15 من قياداته بالضلوع في الهجوم على القنصلية الأمريكية في بنغازي في 11 سبتمبر 2012، وعلى رأسهم قائد التنظيم محمد الزهاوي، واحمد أبو ختالة، وآخرين يقطن غالبيتهم منطقة الليثي في بنغازي التي باتت تعرف في الأوساط الليبية "بقندهار".

وأيضا اتهمت الحكومة الليبية لأول مرة تنظيم انصار الشريعة بالاعتداء على مديرية أمن بنغازي يوم الجمع 2 مايو 2014، والتي أسفرت عن اشتباكات دامية راح ضحيتها عدد من القتلى والجرحى بين عناصر قوات الأمن الرسمية الممثلة في الجيش وقوات الصاعقة والعناصر الشرطية من جانب، ولدى تنظيم انصار الشريعة على الجانب الآخر، كما أسفرت هذه العملية أيضا عن احتجاز قوات الأمن لعدد من عناصر تنظيم أنصار الشريعة، فيما قام التنظيم باختطاف عدد من عناصر الأمن الرسمية ومبادلتهم بزملائهم مثلما تم قبل أيام قليلة من انطلاق عملية "كرامة ليبيا".

أما كتيبة شهداء 17 فبرير، وكتيبة راف الله السحاتي، والمعروفتان بقربهما لجماعة الاخوان المسلمين الليبية، فهي إحدى التشكيلات المسلحة المثيرة للجدل، وقد أصدرت رئاسة الأركان العامة للجيش الليبي قرار يقضي بإخلاء مقرها في غضون 72 ساعة يوم 15 مايو 2014، بعد أن تعرض متظاهرون يطالبون بتسليم مقرها للدولة لإطلاق نار اسفر عن سقوط عدد من الجرحى، لكنها لم تمتثل للقرار، فيما يشكو بعض الأطراف من تصرفات منتسبيها الذين تورط بعضهم في انتهاكات وعمليات خارجة عن القانون.

وهناك جماعات متشددة ظهرت خلال الفترة الخيرة في ليبيا أعلنت انها لن تخضع لسيطرة الدولة الليبية التي وصفتها بالكافرة، ومن أبرز هذه الجماعات تنظيم "جيش الشورى الإسلامي" بدرنة، الذي نظم منذ اشهر استعراض عسكري مسلح لعناصره وبثه عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" في تحد واضح لسلطة الدولة الليبية، إضافة إلى ذلك هناك جماعة تطلق على نفسها "جيش تحكيم الدين"، والتي أعلنت مؤخرا عبر شريط فيديو بثته على الانترنت تبنيها للهجوم على كتيبة الصاعقة21 المعروفة بـ"شهداء الزاوية"، مطلع مايو الماضي.

ثالثا: القوات الحكومية: وهي ممثلة في قوات الشرطة التابعة لمديرية أمن بنغازي وتشكيلاتها المختلفة من قوات الأمن المركزي وقوات الإسناد الأمني، وكذلك "قوات الصاعقة" التي يقودها العقيد ونيس بوخماده وهي قوات الجيش الشرعية المتبقية من الجيش الرسمي، إضافة لقوات "الغرفة الأمنية المشتركة" التي تضم عناصر من الثوار والجيش والشرطة والتي يقدر تعدادها بـ 6 آلاف عنصر. وتبدو يد القوات الحكومية مغلولة في مواجهة الوضع الأمني المضطرب في بنغازي بسبب ارتباك السلطات الرسمية الممثلة، في كل من المؤتمر الوطني العام والحكومة المؤقتة، التي تعاني من غياب الرؤية الموحدة في مواجهة التحديات المنية المتزايدة التي باتت توجه البلاد خلال الفترة الانتقالية، فضلا عن الولاءات الرخوة التي تبدو جلية لدى عناصر الاجهزة الأمنية الرسمية وتضارب القرارات الصادرة من الجهات العليا في البلاد، سواء كانت الحكومة الليبية المؤقتة أو المؤتمر الوطني العام الذي يعاني من صراعات سياسية حادة بين مختلف الكتل، وكذلك ينطبق الأمر على العلاقة بين وزارة الدفاع الليبية ورئاسة الأركان العامة للجيش الليبي.

أما في غرب ليبيا الذي يتميز بالصراعات القبلية أكثر من الصراعات مع المتطرفين نوعا ما، فتمثل التشكيلات المسلحة المحسوبة على الزنتان القوى الضاربة للتيار المدني في مواجهة الإسلاميين، وتعتبر من المؤيدين لمبادرة اللواء خليفة حفتر سيما وانهم سبق لهم أعلنوا رفضهم التمديد للمؤتمر الوطني الذي انتهت ولايته في السابع من فبراير الماضي.

الحكومة مع الكرامة وتجميد المؤتمر الوطني العام

لا يمكن النظر للموقف الحكومي من تحرك اللواء المتقاعد خليفة حفتر وعمليته العسكرية ضد المتشددين في بنغازي ودرنة، دون الأخذ في الاعتبار موقف المؤتمر الوطني العام الذي عارضه في تصريحات متتالية، حتى تجميد أعماله واعتقاله رئيسه نوري أبو سهمين كما أعلن متحدث من قبل لواء المدني ولواء الصاعقة الذين حاصروا المؤتمر، والذي كان يعد بمثابة أعلى سلطة سياسية وسيادية في البلاد في الوقت الراهن.

ويبدو أن قوى الاسلام السياسي داخل المؤتمر التي تمكنت من إقالة زيدان في مارس الماضي مازالت تعيش لذة الانتصار على زيدان، الذي فشلت محاولات سحب الثقة منه لأكثر من مرة، قبل أن يتمكنوا من الإطاحة به أثناء أزمة ناقلة النفط "مورنينغ غلوري" في مارس الماضي، وتم تكليف وزير الدفاع عبد الله الثني بتسيير أعمال الحكومة ثم تكليفه بتشكيل حكومة جديدة، إلا أن الثني فاجأهم بـ"بيان غات" الذي أعلنت الحكومة من خلاله حربها على الارهاب، وهو ما جعل الإسلاميين يبادرون للضغط على الثني من أجل أن يستقيل من رئاسة الحكومة، سيما أن "بيان غات" أزعج كثيرا الإسلاميين الذين لم يرضوا عن هكذا تصرف.

وتعكس حالة الارتباك التي ظهر عليها رئيس المؤتمر الوطني العام نوري أبوسهمين، الذي كان هاربا خارج البلاد ومطلوبا للتحقيق أمام النائب العام الليبي في قضية شخصية، ورئيس الحكومة المؤقتة المكلف عبدالله الثني، تجاه عملية حفتر مدى التعارض والتناقض بين الطرفين.

وبرغم أن الثني حاول أن ينأى بنفسه عن التجاذبات السياسية الحادة الواقعة داخل المؤتمر أكثر من مرة، إلا أنه لم يستطيع أن يبتعد عن ضغط المؤتمر، سيما وأن الثني حاول في بداية تسلمه للحكومة ان يتخذ مسارا مغايرا للمؤتمر وان يبتعد عن ضغط أعضائه وتوجهاتهم، إلا انه فشل وأجبر على تقديم استقالته والاستمرار في رئاسة الحكومة الليبية.

بيان غات

إذن وبحسب ما أعلنه حفتر فإن هذه العملية ليست انقلابا كما يؤكد، وتندرج في إطار الحرب على الإرهاب كما يكرر دائما، وهي نقطة اتفاق تبدو مسايرة ومتسقة تماما مع ما تضمنه إعلان حكومة الثني المعروف بـ"بيان غات" الذي صدر في 19 مارس الماضي بشأن تطورات الموقف الأمني في مدن بنغازي ودرنة وسرت، وهي المدن التي أضحت معاقل رئيسية للجماعات المتشددة في ليبيا، وتشهد ارتفاعا ملحوظا في وتيرة أعمال العنف والارهاب والاغتيالات منذ الثورة وحتى الآن.

ومن هذا المنطق وهذا النص، يمكن القول أن العملية العسكرية التي قام بها اللواء خليفة حفتر تأتي متسقة تماما مع ما نص عليه "بيان غات" الحكومي، الذي أكد على أن الحكومة الليبية ستستعين بالقوى العسكرية والوطنية المختلفة لمكافحة الإرهاب وكذلك استنجدت بالقوى الدولية والإقليمية لمساعدتها على اجتثاث هذه الآفة.

بمعني أدق، لقد أعطى "بيان غات" لتحرك حفتر العسكري تجاه المتشددين مسوغا قانونيا يمكن أن يعفيه وينفي عنه من أي اتهام سواء بالانقلاب أو الخروج على القانون، مثلما إدعى عليه رئيس الحكومة الذي منح تحركه قبل أن يبدأ ما يمكن تسميته بالغطاء الشرعي.

الأطراف الأخرى

يمكن القول أن الإسلاميين وحلفاءهم سواء داخل المؤتمر أو خارجهم هم فقط من يعارض خطوة حفتر، خفوا من أن يلاقوا نفس مصير نظرائهم في مصر، وأن يجدوا أنفسهم خارج إطار العملية السياسية وأن يعودا كما كانوا إبان عهد القذافي، الأمر الذي يجعلهم لا يقدمون أي تنازلات سياسية كبرى يمكن أن تحرز تقدما في مختلف الأصعدة السياسية والمنية في ليبيا، وهو ما يمكن تفسيره في احتفاظهم بشبكة التحالفات الغير علنية مع الجماعات المتطرفة التي عادة ما تستخدم لإجبار الآخرين على التوافق إذا قضت الضرورة.

أما القوى الأخرى فمنها من هو متضامن مع حفتر لاعتبارات مختلفة سيما أنصار الحراك الفيدرالي الذي يدرك أن التخلص من الإسلاميين في شرق ليبيا سيزيد من نفوذهم المنحسر في منطقة الهلال النفطي، والذي بات ينحسر أيضا بعد توقيع الاتفاق المرحلي مع حكومة الثني في أبريل الماضي. سيما ان الشرق هو معقل الاسلاميين وهم حائط الصد المباشر للحراك الفيدرالي في تلك المنطقة. وربما تمكن إزاحتهم من تمدد الحراك في برقة أكثر مما هو عليه الآن.

في الغرب تبدو الأمور معقدة إلى حد ما بسبب الصراع القبلي وحالة توازن الرعب الذي تعيش على وقعها العاصمة طرابلس سيما بين مصراتة والزنتان، اللتين ورثتا ترسانة أسلحة كبيرة من حرب التحرير في 2011 وما بعدها، فضلا عن تقاسمهم السيطرة التامة على العاصمة وإخضاعها لمناطق نفوذ، إضافة إلى وجود صراع مع الإسلاميين أخف نوعا ما مما هو واقع في بنغازي ودرنة وسرت.

وبرغم ان العقيد مختار فرنانة أعلن مساء الأحد 18 مايو 2014، في بيان قال إنه وقعت عليه قيادات عسكرية في الجيش الليبي عن تجميد عمل المؤتمر وتكليف لجنة الستين القيام بمهامه في أضيق نطاق وتكليف حكومة الثني بتسيير الأعمال، إلا أن هذا الأمر لا يبدو أنه سيكون بالفاعلية المطلوبة، سيما وأن الحكومة الآن مهلهلة جدا، ويظهر اثنان من أعضائها وهما وزير العدل صلاح المرغني ووزير الثقافة والمجتمع المدني الحبيب الأمين، أكثر فعالية من رئيسها، لكنهما يبقى مقيدان، لأن الرئيس مازال غير راغب في الاستمرار في منصبه رغم أن هناك من يضغط باتجاه ضرورة أن يبقى الثني حتى الانتخابات البرلمانية وانتخاب مجلس النواب الجديد. إضافة إلى أن هناك من رأى أن البيان تفوح منه رائحة القبلية.

ختاما عملية حفتر ستستمر لأيام قادمة نظرا لحالة السيولة الكبيرة التي بات يتميز بها الوضع في ليبيا، ونظرا لتسارع التطورات على كافة الأصعدة السياسية والأمنية والاجتماعية.

*دراسة أعدها كامل عبدالله

إعلانات