.
.
.
.

قراءة مختزلة لتقرير «ساما»

طلعت زكي حافظ

نشر في: آخر تحديث:

كشف التقرير السنوي الـ48 الصادر عن مؤسسة النقد العربي السعودي ''ساما'' عن عدد من التطورات الاقتصادية التي طالت جميع مفاصل الاقتصاد الوطني خلال العام الماضي، موضحاً في الوقت نفسه العوامل التي أسهمت في أحداث تلك التطورات.

على مستوى الاقتصاد الكلي، أوضح التقرير أن الاقتصاد السعودي استمر في النمو بوتيرة تصاعدية جيدة للعام الثالث عشر على التوالي، حيث نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للمملكة في عام 2012 بنسبة 6.8 في المائة، والتي تزيد على ضعف معدل نمو الاقتصاد العالمي للعام نفسه. كما حقق القطاع الخاص نمواً بلغت نسبته 7.5 في المائة، وحققت الميزانية العامة للدولة فائضاً مالياً فعلياً تاريخياً في عام 2012. 386 مليار ريال، متجاوزاً بذلك الفوائض المالية التي تحققت في عامي 2010، و2011 بنسبة تعادل 339 و33 في المائة على التوالي.

من بين أبرز الأسباب التي أسهمت بفاعلية في استمرار نمو الاقتصاد الوطني في عام 2012 والأعوام التي سبقته، استمرار الحكومة في انتهاج سياسية إنفاق توسعية خاصة على مشاريع البنية التحتية، والمشاريع التنموية الأخرى التي لها مساس مباشر بحياة المواطن مثل مشاريع التعليم والصحة والخدمات العامة الأخرى. ومن بين الأسباب الأخرى كذلك، التي أسهمت في نمو الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، تحديث وتطوير عديد الأنظمة والإجراءات الحكومية بشكل عزز من حجم الاستثمارات المحلية، وساعد أيضاً على جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية للبلاد، إضافة إلى ما قدمته الصناديق الحكومية التنموية المختلفة والمصارف المحلية من تمويل لمختلف الأنشطة الاقتصادية في المملكة.

نتيجة لاتباع الحكومة السعودية لسياسة إنفاق توسعية على المشاريع التنموية، أشار بيان الميزانية العامة للدولة للعام المالي 1434/1435هـ (2013)، إلى أنه سيبلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي للمملكة خلال العام 1433/1434هـ (2012) وفقاً لتقديرات مصلحة الإحصاءات العام والمعلومات 2.727.400 مليون ريال بالأسعار الجارية، بزيادة تبلغ نسبتها 8.6 في المائة عن المتحقق في العام المالي 2011. كما ستتراجع نسبة الدين العام للدولة إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى أقل من 4 في المائة، ليصل حجم الدين إلى أقل من 100 مليار ريال. انخفاض حجم الدين العام للدولة وانخفاض نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي، مكّن المملكة من المحافظة على تصنيفها الائتماني المرتفع AA- رغم ما تشهده عدد من دول العالم، وبالذات الدول الصناعية الكبرى من تراجع ملحوظ في معدلات تصنيفها الائتماني، الأمر الذي عزز من الثقة باقتصاد المملكة وجعله أكثر جاذبية للاستثمار المحلي والأجنبي على حدٍ سواء.

بطبيعة الحال تجاوبت جميع القطاعات والأنشطة الاقتصادية والمالية والاستثمارية الأخرى في المملكة، مع نمو الاقتصاد المحلي، حيث على سبيل المثال لا الحصر، في المجال المصرفي، واصلت المصارف المحلية القيام بدورها التنموي والائتماني في الاقتصاد، إذ قد ارتفع حجم الائتمان المصرفي الممنوح للقطاع الخاص في عام 2012 بنسبة بلغت 16.4 في المائة، ليبلغ نحو ألف مليار ريال، وبلغت نسبة مطلوبات المصارف التجارية من القطاع الخاص إلى إجمالي الودائع المصرفية بنهاية الربع الرابع من عام 2012 نحو 79.3 في المائة، مقارنة بنسبة 77.8 في المائة في نهاية الربع السابق. كما قد حافظت المصارف المحلية على ملاءتها المالية الجيدة، حيث قد بلغ معدل كفاية رأس المال Capital Adequacy في نهاية عام 201 نحو 18.8 في المائة، وتجاوزت أرباح المصارف مبلغ 33 مليار ريال، بزيادة بلغت نسبتها 8.4 في المائة عن أرباح عام 2011.

وفي مجال التأمين على سبيل المثال أيضاً، واصل القطاع نموه، حيث قد بلغ عدد الشركات العاملة في مجال التأمين وإعادة التأمين في المملكة 33 شركة، إضافة إلى 166 شركة مهن حرة تعمل لمساندة خدمات القطاع، وبلغ إجمالي الأقساط المكتتبة في عام 2102 نحو 21 مليار ريال مقارنة بمبلغ 18.5 مليار ريال في عام 2011.

رغم الإنجاز المتميز للاقتصاد الوطني في العام الماضي، الذي عكسه تقرير ''ساما'' السنوي 48، إلا أن الأمر لا يكاد أن يخلو من التحديات المستقبلية التي لا تزال تواجه القائمين على إدارة دفة الاقتصاد والتنمية في البلاد، التي لعل من أبرزها وأهمها تنويع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد وتنويع مصادر الدخل القومي، حيث لا تزال إيرادات النفط تستحوذ على نصيب الأسد من إيرادات المالية العامة للدولة في حدود 92 في المائة. ومن بين التحديات كذلك القدرة على تخفيض معدل البطالة بين الشباب من الجنسين إلى معدلات مقبولة وفق معيار منظمة العمل الدولية في حدود 5.4 في المائة ومعالجة مشكلة الإسكان في المملكة.

خلاصة القول، إن اقتصاد المملكة على المستويين الكلي والجزئي، قد شهد العام الماضي أداءً متميزا بجميع الجهات، نتيجة لاستمرار اتباع المملكة لسياسة إنفاق توسعية على أوجه ومشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية المختلفة. ويتوقع لاقتصاد المملكة أن ينمو بمعدلات العم الماضي نفسه، إن لم يكن بشكل أفضل، وبالذات في حالة استمرار محافظة أسعار النفط العالمية على مستويات جيدة تفوق الأسعار المستهدفة للمملكة، والتي بنيت عليها في الأساس أرقام الميزانية العامة للدولة للعام المالي الحالي. كما أن استمرار تحسن مساهمة القطاعات والأنشطة الاقتصادية غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي، سيعمل على التحسين من أداء الاقتصاد الكلي، وسينعكس على بقية مفاصل الاقتصاد الوطني. لكن وعلى الرغم من هذا الإنجاز الاقتصادي الجيد للمملكة، إلا أنه لا يزال هناك عديد من التحديات الاقتصادية، التي يتطلب من القائمين على إدارة دفة الاقتصاد والتنمية في بلادنا من التعامل معها، والتي من بينها على سبيل المثال لا الحصر، قضية البطالة والإسكان وتنويع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد والدخل القومي.

* نقلاً عن صحيفة "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.