اقتصاد الحضارة السائدة وإعلامها
كنت قد حددت بداية هذا الأسبوع بأني سوف أكتب حول فهمي لمعاني خفض الإنفاق في الولايات المتحدة والذي كان حديث وسائل الاعلام يوم السبت الماضي. وتشجعت لذلك أكثر بعد حضوري حفل تدشين معالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ لموقع التبادل المعرفي باللغات الاسبانية والصينية والروسية والفرنسية مساء الأحد الماضي. ففي كلمة معالية الضافية أشار فضيلته إلى أننا نعيش عصرا فيه صراع ليس فقط على الأرض والثروات فقط وإنما عصر فيه صراع على الإنسان وعلى عقله وعاطفته لجعله يفكر على النحو الذي يفكر فيه أصحاب الحضارة السائدة.
بالفعل فنحن إذاً نظرنا إلى التفسيرات المتداولة عن التطورات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط بعد أحداث تونس وما تبعها من تغيرات في العديد من البلدان العربية فسوف نلاحظ أن هناك شبه إجماع على أن المحرك لتلك الأحداث هي واشنطن. وكأن الولايات المتحدة مثل الساحر أو العفريت الذي يسير الأمور بحركات يديه كما يحلو له. وهذا التفسير للأحداث ليس صدفة كما يبدو لي. فنحن نعيش في عصر تغسل فيه الحضارة السائدة عقول الناس بالريموت كونترول.
ولذلك دعونا نقلب الوجه الثاني لما يجري حولنا فهذا ربما يعيننا على فهم الأمور بشكل أفضل. وأول ما يطالعنا هنا هو الاقتصاد الأمريكي المريض للأسف. وأنا أقول للأسف لأن ذلك ينعكس علينا وعلى بقية بلدان العالم بالسالب. فالولايات المتحدة، مثلما نعلم، تعاني من كافة العجوزات التي عرفها الاقتصاد مثل عجز الميزان التجاري والحساب الجاري والميزانية. كما أن الدين القومي للولايات المتحدة قد تخطى ناتجها المحلي الإجمالي. ولهذا رأينا الرئيس الأمريكي، نهاية الأسبوع الماضي، يوقع على خفض الإنفاق الذي سوف يطال العديد من المجالات الحيوية والحساسة - وإن كان على مضض. فالأمر خطير ليس من الناحية الاقتصادية فقط وإنما الأمنية أيضاً. فالوكالات الحكومية الأمريكية من بداية هذا الأسبوع أصبحت ملزمة بتقليص الإنفاق بنسبة 5%. أما وزارة الدفاع فيتعين عليها تخفيض نفقاتها بنسبة تزيد على 8%. وسيحد سلاح البحرية من فترة بقاء سفنه في البحر بنسبة 20% إلى 30%. وعلى هذا الأساس فقد تم إلغاء نشر حاملة طائرات ثانية في الخليج العربي. والقائمة، التي تناولتها الصحف بإسهاب يوم السبت الماضي، طويلة جداً.
إذاً فكيف يمكن لبلد والحالة تلك أن يمسك بكافة خيوط اللعبة العالمية ويديرها في الوقت الذي يعجز فيه عن حل مشاكلة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في عقر داره. إن هذا الواقع يجعلنا نشكك فيما يشاع على نطاق واسع بأن «الربيع العربي» ما هو إلا مؤامرة حيكت خيوطها من وراء المحيط مسبقاً. فعلى ما يبدو لي إن العكس هو الصحيح. أي أن أحداث الشرق الأوسط تؤكد ضعف سيطرة القطب الواحد على تطور الأحداث في المنطقة والعالم بعد الأزمة الاقتصادية عام 2008. فإذا كان هذا الاستنتاج صحيحا فإن تفسيرنا الخاطئ لما يجري حولنا لا يمكن تفسيره إلا من خلال تسلط مكينة أعلام الحضارة السائدة على العقول للحيلولة بينها وبين اتخاذ القرارات الصائبة التي قد تلحق الضرر باقتصاد هو متضرر أصلاً.
*نقلاً عن صحيفة "الرياض" السعودية.