"ترسانة" العقوبات على إيران

محمد كركوتي
محمد كركوتي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

"إنك محاصر في دائرة خراب يستحيل الخروج منها، صنعتها أنت لنفسك"

إسخيلوس - أديب ومسرحي إغريقي

ستواصل الصادرات النفطية الإيرانية انخفاضها، وسيستمر الريال الإيراني بالتدهور، وسيمضي اقتصاد البلاد في الدخول بأزمة تلو الأخرى، وسترتفع معاناة الإيرانيين المعيشية، وسيلتهم الوكيل الإيراني في سورية بشار الأسد ما يمكن توفيره من أموال إيرانية، ومعه "زميله" الوكيل الإيراني في لبنان حسن نصر الله، إلى جانب (طبعاً) مشاركة بعض العصابات الأخرى "الوليمة" المالية المتوافرة.

وسينشر مرشد ما يسمى بـ "الثورة الإيرانية" علي خامنئي، مزيدا من الجنود وقوات الأمن والمخابرات والجواسيس وصغار المخبرين، بين الإيرانيين أنفسهم. فالتمرد الشعبي وارد في أي لحظة، ليس فقط بسبب العامل الاقتصادي، بل والسياسي أيضاً، خصوصاً في ظل غياب الشفافية الانتخابية في بلد يدعي الانتخابات الحرة، ويدعي أيضاً تداول السلطة! ولا نعرف كيف يمكن تداول السلطة في ظل ولاية الفقيه "المعصوم"، الذي يحرك بيادق هذه السلطة كيفما شاء، ويوجهها إلى المعابر التي يشاء؟! ولو أضفنا تكاليف وهم تصدير الثورة، التي فشلت في تسويق نفسها حتى محلياً، فإن الوضع الاقتصادي سيواصل الطريق نحو الخراب الكلي.

في إيران، لو جُمعت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لبلغت المحصلة المصيبة إن لم نقل الكارثة. فالقضية لا تنحصر بانخفاض عوائد النفط وتراجع الريال وارتفاع التضخم فحسب، بل تشمل أيضاً فقدان حتى المواد الرئيسية المعيشية من السوق. لقد دفعت حدة الأزمة الشاملة، شرائح من الإيرانيين، لزراعة ما يمكن زراعته ليس في الحقول والبساتين، بل على أسطح المباني الخرسانية! هذه الشرائح تعجز (بالفعل) عن شراء حتى الخضار! تعيش إيران فوق بركان، وصلت حرارته إلى السطح، لكن نيرانه لا تزال تحته تصارع حممها. غير أن الحرارة لم تعد تطاق، ولا تحتمل. والمريع أن خامنئي وأعوانه، لا يريدون الاعتراف بهذه الحقيقة، رغم أن آثار الحرارة ومكنونات اللهب بادية عليهم جميعاً.

تخسر إيران شهرياً، ما بين 3 و5 مليار دولار أمريكي، بسبب العقوبات التي يفرضها المجتمع الدولي على صادراتها النفطية. وهذه الخسائر ليست جديدة، بل يتكبدها الاقتصاد الوطني منذ الجولات الأولى للعقوبات الغربية تحديداً، لكن الجديد فيها، أن إيران لم تعد واقعياً قادرة على أن تتحمل ضرباتها، بصرف النظر عن حالة الإنكار التي يعيشها خامنئي وأتباعه، الذين يعيشون وهماً بات متأصلاً، ولم يكن عابراً في يوم من الأيام.. وهم أصبح استراتيجية! لقد انخفض حجم الصادرات النفطية إلى النصف تماماً، بينما يزداد الضغط الأمريكي - الأوروبي على العملة الوطنية. والغرب (عموماً) يرى في العقوبات "ترسانة" غير عسكرية، وإن كانت آثارها بطيئة الظهور بالمقارنة. الغربيون قرروا المضي حتى النهاية في العقوبات، ووضعوا الترسانة العسكرية جانباً. إنهم يسعون إلى خنق بطيء للنظام الإيراني، الذي (كما هو واضح) يستغل ما تبقى له من أنفاس، لمواصلة خلق مزيد من الاضطرابات خارج بلاده.

وبصرف النظر عن الخلافات الخاصة بجدوى العقوبات المفروضة على إيران، إلا أنها تعمل حقاً. وهي كغيرها من العقوبات طويلة الأمد، تنال شيئاً فشيئاً من الشعب الإيراني نفسه. ولأنها كذلك، وكونها بمنزلة محرك رئيس للتمرد الشعبي في مرحلة لاحقة، انبرى نظام خامنئي إلى اتباع سياسة التفافية في التفاوض (أو التضارب) بينه وبين المجتمع الدولي حول مشروعه النووي الخطير. فقد أمر المسؤولين المكلفين بهذا المشروع، أن يطلبوا تخفيف العقوبات على الأقل، مقابل تنازلات حول البرنامج النووي. في الاجتماعات التي عقدت أخيراً، كان هذا الطلب محورياً، إلا أن الجانب الآخر، لا يمكنه تعديل موقفه بهذه البساطة، استناداً إلى استراتيجية التضليل التي يعتمدها علي خامنئي، في كل شيء، ولا سيما في الحالة النووية. إن التوجس، هو أفضل وسيلة للتعاطي مع إيران. فسياستها مشكوك فيها حتى تثبت العكس.

أظهرت المعلومات الحقيقية (لا المصطنعة) أن الاقتصاد الإيراني تراجع بنسبة 8 في المائة في العام الماضي، وهذا ما ضرب في الواقع تقديرات صندوق النقد الدولي البالغة 1,9 في المائة في العام المذكور. وقد اعترف بعض المسؤولين في "الصندوق" بأن تقديراتهم لم تكن صحيحة، وأنهم يتوقعون الأسوأ للاقتصاد الإيراني في العام الجاري. وفي كل أسبوع، تتلقى السلطات الإيرانية أوامر من مستوردين لنفطها، تفيد بقرارهم التوقف عن استيراد النفط، والتوجه لجهات أخرى. فعلى سبيل المثال، توجه مستوردون في الهند نحو العراق وأمريكا اللاتينية، لتعويض نقص الإمدادات النفطية. والصعوبات في تصدير إيران لنفطها، لا تكمن فقط في العمليات التشغيلية والنقل وغيرها، بل تشمل بصورة أساسية التأمين، لأن الشركات المتخصصة في تأمين شحنات النفط، توقفت الواحدة تلو الأخرى، عن توفير الغطاء التأميني للشحنات الإيرانية.

لا مفر أمام نظام علي خامنئي، سوى التعاون الحقيقي الصادق مع المجتمع الدولي في موضوع البرنامج النووي. لكنه لا يستطيع الإقدام على هذه الخطوة، لأن الأوهام التي أوجدها ليعيش بها متلذذاً، تقطع الطريق على واقع لا يعيشه إلا الشعب الإيراني في بلده. وهو واقع يحمل معه مصائبه باتجاه نظام يحيا على "حس" المهدي الفالت.

تخسر إيران شهريا ما بين 3 و5 مليارات دولار بسبب العقوبات التي فرضها المجتمع الدولي على صادراتها النفطية. وهذه الخسائر ليست جديدة، بل يتكبدها الاقتصاد الوطني منذ الجولات الأولى للعقوبات الغربية تحديدا، لكن الجديد فيها أن إيران لم تعد واقعيا قادرة على أن تتحمل ضرباتها، بصرف النظر عن حالة الإنكار التي يعيشها خامنئي وأتباعه،الذين يعيشون وهما بات متأصلا، ولم يكن عابرا في يوم من الأيام.. وهما أصبح استراتيجية!لقد انخفض حجم الصادرات النفطية إلى النصف تماما، بينما الضغط الأمريكي - الأوروبي على العملة الوطنية.

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.