.
.
.
.

توقعات صندوق النقد.. تصيب أم تخيب؟

بندر بن عبد العزيز الضبعان

نشر في: آخر تحديث:

في عام 2023، بماذا سيرد ''وزير العمل السعودي'' في ذلك الزمن على المذيع التلفزيوني وهو يسأله عما جاء في تقرير صندوق النقد الدولي الذي نشر تموز (يوليو) 2013؟ فالتقرير كان قد حذر السعودية من أن القطاع الخاص خلال العقد القادم قد لا يستطيع خلق فرص العمل اللازمة للسكان الذين يزداد عددهم بسرعة، ما يؤدي إلى ارتفاع معدل البطالة (المرتفع أصلاً) في البلد، مضيفاً أن وقائع الماضي تظهر أن القطاع الخاص قد لا يكون قادراً على استيعاب جميع الباحثين الجدد عن العمل.

كما دعا الصندوق السعودية إلى مواجهة معدلات البطالة المرتفعة بين الشباب والفتيات المتعلمات التي تعد أعلى منها في دول أخرى ذات دخول مشابهة، علماً أن معدل البطالة يبلغ حالياً بين السعوديين 12 في المائة، غير أن المعدل يرتفع إلى 30 في المائة بين أوساط الشباب و35 في المائة بين أوساط الفتيات، مع الإشارة إلى أن البطالة ارتفعت في السعودية 8.5 في المائة من 2010 إلى 2012، فيما زاد معدل التوظيف بين المواطنين 4.6 في المائة فقط.

لكن دعونا نعود إلى السؤال، ونقول إن إجابة ''الوزير المستقبلي'' عن سؤال المذيع التلفزيوني تعتمد على مدى اتباعنا لأي من السيناريوهات الموضحة أدناه من هذه اللحظة إلى عشرة أعوام من الآن، مع الأخذ في الاعتبار أن عدد سكان السعودية يبلغ 29 مليون نسمة، عدد السعوديين منهم نحو 20 مليون نسمة، ومعدل نمو السكان السعوديين 2.21 في المائة، ما يعني أن عدد السعوديين قد يصل إلى 26 مليون نسمة بحلول عام 2023م:

السيناريو (1): يحدث هذا السيناريو في ظل معطيات إبقاء القطاع العام على وضعه مما يكرس تبعية القطاع الخاص عليه، ويؤكد صحة الإحصاءات أن تسعة من بين كل عشرة سعوديين عاملين يشغلون وظائف حكومية يتم تمويلها في الغالب من إيرادات النفط، إذ ما دامت السعودية تعتمد على 97 في المائة من دخلها الوطني على النفط، فسيظل القطاع العام يؤدي دوراً رئيساً في بناء الاقتصاد الوطني، وهذا ما يجعل القطاع الخاص في السعودية مجرد ضيف على مائدة القطاع العام، فلو توقف القطاع العام عن طرح عقود التشغيل والصيانة والمشتريات والمشروعات، فسيموت القطاع الخاص من الجوع، لأنه غير قادر على الوقوف على قدميه والاعتماد على نفسه بمعزل عن مساندة الحكومة.

لذا نجد أن صندوق النقد الدولي وغيره من المنظمات الدولية تدق ناقوس الخطر لتنبيه المخططين ومتخذي القرار السعوديين من عدم وضوح الرؤية في المستقبل، خاصة في ظل التباطؤ المتوقع لإنتاج النفط الذي يعتمد عليه اقتصاد السعودية خلال السنوات الخمس القادمة، مع تزايد إنتاج النفط في الولايات المتحدة وتعافي حقول النفط في ليبيا والعراق.

السيناريو (2): تتمثل المعطيات في هذا السيناريو في قيام الحكومة السعودية بإعادة هيكلة مكونات الاقتصاد الوطني بدءاً من إعادة هيكلة القطاع العام هيكلة شاملة، ما يمكن القطاع الخاص من التحرر والعمل باستقلالية أكثر.

السعودية بلد واعد حققت ثالث أفضل أداء اقتصادي بين دول مجموعة العشرين بعد الصين والهند، حيث نما اقتصادها بمتوسط 6.25 في المائة في السنوات الأربع الماضية، وإذا تمكنت الحكومة السعودية من إعادة هيكلة القطاع العام، وتقليل عدد الأجهزة الحكومية إما بالدمج أو الخصخصة، فإنها ستنجح في تقليص الاعتماد على الوظائف الحكومية، مع ضرورة إعادة تأهيل المواطنين السعوديين – كما يقول الصندوق - بالتدريب والتطوير ليكونوا أكثر قدرة على المنافسة في القطاع الخاص. لذلك، نطرح مجموعة من المقترحات على الحكومة السعودية ربما تسهم في تعزيز توجهنا نحو هذا السيناريو الذي سيمكن من توسيع دائرة القطاع الخاص لدرجة يستوعب الأعداد المتزايدة من السعوديين:

• تقليل الاعتماد على النفط الخام: التركيز على تصنيع وتصدير المشتقات النفطية أكثر من النفط الخام، فالمعروف أن عوائد المشتقات أعلى بكثير من النفط الخام، وذلك لأن المشتقات أسرع في الاستهلاك من النفط الخام، وغير قابلة مثله للتخزين لفترات طويلة، لذا هذا يستوجب منا زيادة الاستثمار في قطاع المشتقات النفطية، وتطوير الكفاءات الوطنية الفنية والإدارية القادرة على العمل في هذا القطاع، مع الاقتصاد في مخزوننا النفطي الخام.

• التوسع في عملية الخصخصة: علاوة على أن مشروعات الخصخصة تسهم في إكساب القطاع العام الرشاقة الإدارية والتنظيمية، فإنها تحقق في الوقت ذاته للوطن مكاسب، منها التخلص من البيروقراطية والحد من الفساد، ما ينعكس على جودة الخدمات والمنتجات، لنترك للحكومة مهمة الإشراف على عملية توفير الخدمات، ونترك للقطاع الخاص عملية تقديم الخدمات.

• تعزيز التوجه نحو الاقتصاد المعرفي والتركيز على الصناعة: جنوحنا نحو الاقتصاد المعرفي سيؤدي بصورة مباشرة إلى تخفيف الضغط عن اعتمادنا على تصدير النفط، كما أنه من المهم إيجاد صناعة منافسة وفق أطر الاستراتيجية الوطنية للصناعة المعتمدة عام 2009، ورفع مساهمة قطاع الصناعة 20 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، مع رفع نسبة المنتجات التقنية إلى 60 في المائة من إجمالي الإنتاج الصناعي.

• تشجيع ريادة الأعمال: المواطن السعودي يتصور فرصة العمل على أنها فرصة ترتبط كثيراً بالقطاع العام، بل لو تصورها فرصة متاحة بالقطاع الخاص، فإنها تتشكل على أساس العلاقة التعاقدية بين موظف وصاحب عمل، لذا نجد قلة من الشباب من يكسرون هذه الصورة النمطية، ويجازفون في تأسيس مشروعات ريادية، تحولهم من موظفين لدى الغير إلى أصحاب عمل يوظفون غيرهم من الشباب، نحتاج إلى أن نكرس هذا التوجه نحو ريادة الأعمال على جميع المستويات، حتى في المدارس والجامعات.

• التوسع في تأنيث الوظائف: نجحت مبادرة تأنيث محال المستلزمات النسائية في استيعاب شريحة كبيرة من الفتيات، وأرى أننا نحتاج إلى إشراك المرأة السعودية في القطاع التجاري، خاصة في وظائف التجزئة التي لا يقبل عليها الشباب مثلما تقبل عليه الفتيات، فالمرأة السعودية قادرة على أن تبيع في أي متجر، بل تديره في ظل ظروف عمل تليق بها.

• إجراء تغييرات جذرية في التعليم، خاصة التعليم الثانوي والجامعي تسهم في تغيير العقليات وغرس ثقافة العمل (التخلص من الجوانب النظرية والتركيز على الجوانب التطبيقية)، ما يهيئ الشباب والفتيات لسوق العمل قبل التخرج، عن طريق تزويدهم بالمهارات اللازمة أثناء الدراسة، مثل: مهارات حل المشكلات واتخاذ القرارات، وإعداد التقارير وكتابتها، وإدارة الوقت، وإدارة المشروعات، والتواصل الفاعل مع الآخرين، والتفاوض معهم.

في الختام، أتمنى شخصياً أن يرد الوزير السعودي عام 2023 على المذيع أن تقرير صندوق النقد المنشور عام 2013م غير صحيح، لأن الـ 26 مليون مواطن سعودي يعيشون في ظل قيادة القطاع الخاص السعودي لاقتصادنا الوطني، ذلك القطاع الذي استطاع أن يخلق فرص عمل أكثر بكثير مما تطرحه الحكومة!

*نقلا عن صحيفة الاقتصادية السعودية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.