الدولار يتحول للاتجاه الصعودي
باستثناء فترتي بداية الثمانينات وأواخر التسعينات اللتين سجلتا اتجاهين صعوديين ضامرين للدولار، فإن العملة الأمريكية لم تعرف طريق الصعود القوي واللافت منذ إعلان فك ارتباطها بالذهب وخفضها تتابعاً مطالع سبعينات القرن الماضي بعد سلسلة تراجعات جوهرية شهدتها مواقع الاقتصاد الأمريكي المختلفة .
الجديد أن مؤشر الدولار الأمريكي (U .S . dollar Index) الذي يقيس سعر صرف الدولار مقابل سلة عملات عالمية، كشف عن أن الدولار ارتفع بواقع 10% في العامين الماضيين . كيف حصل ذلك على الضد من الجهود الجبارة التي بذلها مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي على مدى السنوات الخمس الماضية لدفع الدولار نحو الهبوط . بل إن هذا الارتفاع الذي سجله الدولار حدث والاقتصاد الأمريكي ينوء بأثقال عجز الموازنة الذي يقارب 900 مليار دولار (هذا العام وأكثر من ذلك في العام الذي سبقه)، ودين عام تخطى إجمالي الناتج المحلي؟
لقد حدث ذلك أساساً نتيجة عملية يمكن أن نطلق عليها بعملية حرب عملات بأسلوب “سواب” (Swap)، حيث تَعْمَدْ المصارف المركزية للاقتصادات الكبرى “لتبادل اللكمات” في محاولة كل منها لمنع الأخرى من الخروج بأفضلية نسبية جراء سياسة خفض عملتها تسخيراً لإحدى أدوات سياستها النقدية . ثم إن كافة هذه الدول (الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي واليابان) أخذت جميعها بسياسة التسهيل الكمي (Quantitative Easing)، وحيث إن الدائن لا يهمه كيف يتدبر المدين طريقة سداده للدين، بقدر ما يهمه استرداد أمواله وعوائدها في موعد استحقاقها، وحيث إن أمريكا لم تعلن بعد إعسارها المالي، كما هو حال بعض ولاياتها، فإن الدولار يبقى بخير، وستبقى جاذبيته مستمرة متمثلة في احتفاظ الدولار بموقعه كعملة الاحتياط الأولى في العالم بنحو 62% من احتياطيات البنوك المركزية العالمية، وعملة التداول العالمية الأولى التي يتم بها إبرام صفقات البيع والشراء، بما فيها صفقات بيع وشراء السلع الاستراتيجية مثل النفط . ولا تنسى الإشارة الإيحائية الإيجابية التي أرسلها مجلس الاحتياطي الفدرالي في شهر يونيو الماضي حول احتمال قيامه بوقف برنامجه للتسهيل الكمي (شراء السندات المستحقة على الحكومة من الدائنين لضخ سيولة في الأسواق)، حيث أدت إلى ارتفاع مؤشر الدولار 1 .3% . وبالتالي كلما جرى الحديث حول هذا الأمر سيسجل الدولار مزيداً من الارتفاع باعتبار ذلك مؤشراً على تعافي الاقتصاد وتمكنه من الاستغناء عن حقن تنشيطه والاكتفاء بديناميكياته الداخلية . وقد يبدو هذا الأمر باعثاً على الاعتقاد بأن الاقتصاد قد تخلص من أعباء أثقاله التي تتهدد توازنه واستقراره في أية لحظة . ولكن الأمر ليس كذلك للأسف الشديد، فلقد أضاف مجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي تريليونات الدولارات في حسابه المدين بموازنته.
ولذلك فإن من الصعب أن نعزو هذا الارتفاع الطفيف في سعر صرف الدولار إلى مؤشرات تعاف اقتصادي مثل انخفاض أعداد الباحثين عن عمل أو تنظيف البنوك الأمريكية سجلاتها من الديون العقارية المسمومة أو تعافي سوقها العقاري، كما يذهب إلى ذلك بعض المحللين الاقتصاديين والماليين على جانبي الأطلسي، بقدر ما نعزوه إلى تحركات اقتصادية فنية ذات أثر طارئ، مثل ارتفاع العائد على السندات الأمريكية استحقاق عشر سنوات يوم الجمعة 16 أغسطس/آب 2013 من 6 .1% إلى 6 .2%، ما رفع جاذبية السوق الأمريكية بالنسبة لرأسمال المال بعيداً عن أدوات الاستثمار الخطرة في أسواق عالمية أخرى، وذلك على وقع ما يتردد بقوة عن أن اجتماع لجنة السياسات بمجلس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي المقرر عقده يومي 17 و18 سبتمبر/أيلول 2013 سيخرج بقرار يقضي بخفض مشتريات الفدرالي الأمريكي من السندات بواقع 15 مليار دولار من وتيرة إصدارها الشهري البالغ 85 مليار دولار .
جاك ليو تعمد إطلاق تحذيره كالعادة للضغط على الكونجرس للإسراع في إجازة رفع السقف، من أن التأخير سيهز ثقة مقرضي الولايات المتحدة وسيعرض أسواق المال للخطر (وفي أمريكا تبقى أسواق المال بقرة مقدسة لا يقاربها أحد، لأن أصحاب الأسهم المتداولة فيها هم النافذون على القرار) . علماً بأن عدداً من الشركات الكبرى المدرجة في هذه الأسواق راحت تتذمر من تراجع نمو مبيعاتها مثل “وول مارت” و”جاب” وسلسلة مطاعم ماكدونالدز .
هي إذاً مؤشرات قياسية لها ارتباط مباشر بحالة العملة الأمريكية . وهي، كما نرى، هي التي تحدد مصير الدولار على المدى المتوسط والبعيد، وليس تحريك بعض أدوات السياسة النقدية التي لا تفعل سوى التأثير في حركة تذبذبات سعر صرف العملة وقتياً لحين زوال مفعولها .
*نقلا عن الخليج الإماراتية