المقاول السعودي وتحديات الدُور

زكي أبوالسعود
زكي أبوالسعود
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

لقي القرار السامي الأخير بمنع ترسية المشاريع الحكومية على شركات معينة ترحيباً واسعاً في أوساط رجال الأعمال السعوديين وخاصة لدى فئة المقاولين، الذين طالبوا منذ زمن بكسر احتكار أسماء معينة للمشاريع الحكومية وخاصة الكبيرة منها، التي بلغت قيمتها بلايين الريالات، كتوسعة الحرمين الشريفين والمشاريع ذات الأهمية السياسية وغيرها من المشاريع التي لا تتبع الوزارات الخدمية، وتأتي أوامر الصرف عليها من وزارة المالية مباشرة.
وقد أشارت بعض الصحف إلى أن شركة واحدة من بين هذه الشركات استحوذت وما زالت على 30%، من المشاريع العالية القيمة التي تضمنتها الميزانية الحكومية لسنوات متتالية ودون انقطاع.
لقد أدت هذه السياسة إلى تضخم هذه الشركات وتزايد أعبائها الإدارية والمالية والبشرية، دون أن يرافق ذلك تطويراً مستمراً للإدارة الداخلية والارتقاء بمستويات التدقيق الداخلي وتطبيق قواعد صارمة للحوكمة تحميها من الفساد ومن الإخلال بمستويات الجودة. وهو ما يقود في كثير من الأحيان لتعرض هذه الشركات إلى مشكلات جمة تتسبب في تعثرها أو انهيارها. وحين حدوث ذلك فإن تبعاتها تتحوّل كالانفجار الذي لا يدمرها وحدها بل يصيب المحيطين بها أيضاً وأولهم صاحب المشروع نفسه. ومن هنا فإن هذا الأمر السامي قد حلّ على هذه الشركات في الوقت المناسب ليمنحها الفرصة لاسترداد أنفاسها ويخفف عنها الضغوظ المتراكمة عليها جراء كثرة الأعمال التي نالتها دون تقييم واف لقدراتها، بما في ذلك مواردها البشرية التي غدت عاجزة على تنفيذ كل هذه الأعمال العملاقة بمفردها، فتغطي هذا العجز بالاستعانة بمقاولين من الباطن، أكثرهم لا يملكون القدرة المالية ولا الهيكل الإداري ولا الكادر الكفء القادر على توفير إدارة ناجحة لما حصلوا عليه من عمل. وهذا ما يفسر على سبيل المثال توقف العمال عن أداء أعمالهم والمتكرر بين الحين والآخر احتجاجاً على التأخر في دفع الأجور (وهي في الأصل أجور زهيدة لا تتناسب مع طبيعة وظروف العمل القاسية)، وللمعاملة اللا إنسانية في المواصلات والمسكن و سوء الرعاية الصحية. فالمقاول الرئيس لا يعنيه كيفية تعامل مقاول الباطن مع عماله بقدر ما تعنيه مواصلة العمل دون انقطاع وإتمامه في وقته المحدد. لذا نجد أن هذا الجانب نادراً ما يُدرج في بنود الاتفاقيات الموقعة بين كلا المقاولين. بل إن هذا التوقف عن العمل قد كشف أيضاً أن المقاول الرئيس رغم إمكانيته الكبيرة فلديه ممارسات مشابهة، ولكن يتم التغاضي عنها بسبب مكانته ونوعية المشاريع التي ينفذها، وعدم وجود مقاييس محددة منصوص عليها في أنظمة العمل تمنع مثل هذه الممارسات اللا إنسانية، وتجازي من لا يتقيد بها.
ومن ردود الفعل الأولية لهذا القرار، إثارة فكرة توحد المقاولين في إطارات كبيرة، التي يجري الحديث عنها بين الحين والآخر في أوساط المقاولين السعوديين خاصة لدى الشركات المتوسطة والمصنفين في درجات سفلى، كي تؤهلهم للمنافسة على المشاريع المدنية والصناعية الكبيرة المتوفرة محلياً. هذه الفكرة تخبو حينما تتوفر مشاريع بالحجم الذي يبقي هذه المؤسسات مشغولة لفترة ما، وتصعد للسطح حينما تقل المشاريع المتوسطة الحجم ذات العائد المجزي، مع وجود مشاريع عملاقة تتنافس عليها شركات أجنبية بشروط غير مجحفة، بينما المقاولون المحليون يتنافسون فيما بينهم للحصول على جزء من كعكة أعمال الباطن التي يوزعها المقاول الأجنبي بشروط تصب جميعها في صالحه، تاركاً المقاول المحلي يعاني لوحده من أية عواقب قد تنشأ نتيجة لتعثر المشروع، أو تخطيه قيمته الأصلية. وهو ما يجعل من المقاول الأجنبي يتمتع بزبدة المشروع، بينما المقاول المحلي يقتات من فتاته. من هنا فإن توحد هذه المؤسسات في كيان كبير يمتلك القدرات والتخصصات التي تؤهله على نيل المشاريع الكبيرة بجدارة سيكون له مردوده الإيجابي على زيادة مساهمة قطاع المقاولات في النتاج المحلي.
حتى يومنا هذا يعتبر قطاع المقاولات من أقل القطاعات جذباً للعمالة المحلية، فنسبة العاملين المحليين فيه بلغت 7% من مجموع عامليه الذين تجاوزوا ثلاثة ملايين ونصف، لذا فإن التحدي الكبير الذي يواجه هذا القطاع بعد تخطي صعوبات الاتفاق والاندماج يكمن في حجم ونوعية مساهمته في عجلة التنمية المستدامة عبر توطينه كثيراً من الوظائف والمهن خاصة ذات المهارة العالية.

*نقلا عن الشرق

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.