.
.
.
.

صناعات التمرّ والكحول الطبي

إحسان علي بوحليقة

نشر في: آخر تحديث:

بوسعنا أن نصدر كميات كبيرة من الكحول الطبي، لكننا لا نفعل ذلك، بل نستورده في حين أن تمورنا مادة خام لصناعة الكحول، الذي لا تستغني عنه أي منشأة طبية، سواء أكانت كبيرة أو صغيرة، في المدينة أو في كبد الصحراء.
والصناعات "التمرية" لا تقتصر فقط على الكحول الطبي، لكن توجد معوقات أمام الاستفادة الواسعة من النخلة ومنتجاتها، فنحن حتى الآن ما زلنا في مرحلة الاطناب والمدح والثناء على النخلة، لكننا لم نوظفها توظيفاً اقتصادياً جاداً، فها هو نتاجها تطرحه على الأرصفة والشوارع وفي حدائق البيوت، ولا يأبه به أحد، إلا نادراً.
وإذا استمررنا على هذا المنوال، فستصبح النخلة من أشجار الزينة قريباً. وكل ما تصدح به القنوات الإعلامية من مهرجانات ومناسبات للاحتفاء بالنخلة أو بالتمور، لا يرتقي لأن ينصفها حقها، ولا يقترب من منحنا عن جدارة شهادة حسن استغلال الموارد المتاحة.

رغم مدحنا النخلة دونما انقطاع، وما لدى المملكة من أعداد متعاظمة منها، وإنتاج متزايد من التمور، لكننا لم نوظف الكيمياء لاستغلال النخلة اقتصادياً

النخلة، هي الثروة التليدة، ففي لغتنا الاقتصادية القديمة، المالك هو من ملكَ نخلاً. وفي غابر الأيام، لم تتح وسائل التقنية لاستغلال النخلة أفضل استغلال، ومع ذلك فقد كان كل نتاج النخلة ومكوناتها يستغل استغلالاً اقتصادياً، أي يباع مقابل ثمن.
وحالياً، توقفنا عن استخدام جذوع النخيل وجريدها لوجود بدائل أخرى، لكن ما الذي يمنع أن نطلق برنامجاً جاداً لصناعات النخيل ومنتجاتها؟ وهذا البرنامج لا بد أن يكون وطنياً، فالنخلة منتشرة في أنحاء المملكة، ولا بد أن يتجاوز هذا البرنامج الصناعات التقليدية إلى إدخال التقنية بل والاستثمار في اختراع تقنيات جديدة، تتمحور حول توظيف التمور كمادة خام، والتبحر في كيمياء التمر صناعته التحويلية. ولا بد من الإقرار أن هناك العديد من البرامج في الجامعات، كما أن صندوق التنمية الزراعية قد أطلق مبادرة ترتبط بالتمور، لكن لا بد من الدفع بكل هذه الجهود لتتمخض عن برنامج وطني، يرتكز على توليد قيمة مضافة من التمور. وبالقطع فكثير من الإجابات لم تكتب في الكتب أو تنشر في الدوريات والمؤتمرات المتخصصة بعد، ولذا فأمامنا فرصة للسبق، ليس من أجل السبق بحد ذاته، بل لتنويع اقتصادنا بما نملك من مزايا نسبية أولاً.
ويمكن الجدل، أننا ورغم كل إطرائنا على النخلة دونما انقطاع، وما لدى المملكة من أعداد متعاظمة من النخيل، وإنتاج متزايد من التمور، ومرتبة متقدمة في إنتاجه وتصديره، إلا أن البلاد خالية من أي مجمع صناعي متكامل ومتقدم يستخدم التمور كلقيم استخداماً إبداعياً، ينبغ فيه أبناء وبنات المملكة في توظيف النخلة ومنتجاتها تقنياً، كما سبق أن نجح آباؤهم وأجدادهم في رعايتها زراعياً؛ لتطرح أفضل الثمار.
وهنا، لا أتحدث عن أنشطة الفرز والتعبئة والتغليف، فهذه ليست ضمن أنشطة الصناعة التحويلية للتمور، القائمة على توظيف كيمياء التمور توظيفاً عميقاً. وبالتأكيد، لن يحدث هذا الأمر عفو الخاطر، ولكن من خلال منظور صناعي متكامل، ولعل من المناسب أن أقترح تكامل الجهود بين صندوق التنمية الزراعية ووزارة الزراعة وبرنامج المجمعات الصناعية ووزارة التجارة والصناعة؛ لصياغة وإطلاق برنامج يرتقي لقيمة النخلة في نفس كل منا، وعرفاناً بفضلها، فهي مباركة وشعار لهذه البلاد المباركة، وكانت ثمارها على تقلب الدهور زاداً.

*نقلا عن اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.