مترو واشنطن.. ومترو الرياض

إحسان بوحليقة
إحسان بوحليقة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

كالكثيرين، أفضل استئجار سيارة لأقودها بنفسي في الولايات المتحدة، فذلك هو الخيار الأنسب اقتصادياً، خصوصاً عندما لا تكون في إحدى المدن الكبيرة هناك؛ ففي تلك المدن المحذور الكبير هو التكلفة الخرافية لإيقاف السيارة في موقف نظامي، فأنت بين خطرين: دفع مبلغ وقدره نظير كل ساعة، وخطر المراقبة اللصيقة لشرطة المرور، التي تراقب كل حركة وسكنة للسيارات العابرة والواقفة.

في زيارتي لواشنطن، لم أستأجر سيارة كما هي العادة، والسبب ما ذكرت أنفاً، ثم إن للمقاطعة نظام مترو شاملا، وإن كان من نقص فتسدده وفرة الباصات، كما أن مركبات النقل العام نظيفة و"شرحة" مقارنة بمثيلتها في نيويورك على سبيل المثال. وفي المترو، سألني شابٌ مواطن يرافقني: كم تكلفة مترو الرياض؟ ومتى سينجز؟ وهل سيكون مثل هذا؟

تكلفة مترو الرياض -كما نشر- 84 مليار ريال، وطوله 170 كم، ويتوقف في 87 محطة، ويتوقع أن يبدأ في نقل الركاب منتصف 2018 -بإذن الله-.

أما مترو واشنطن فقد انطلق قبل نحو 38 عاماً، أي في منتصف السبعينيات، باستخدام جزء مما يعرف الآن بالخط الأحمر. ومنذ ذلك التاريخ والمترو يتوسع بالتدريج، بما في ذلك الربط مع المراكز الحضرية الملاصقة من الولايات المتاخمة مثل: مريلاند، وفرجينيا. والتوسع الراهن هو ربط المترو بمطار دلاس الدولي، والذي ينجز على مرحلتين تنتهي الثانية في العام 2018.

أخبرني الشاب: قبل أن أبتعث لم أكن أتصور كيف تكون الحياة بدون سيارتي الخاصة، بل كان من أول مشاريعي بعد أن أطمئن لسير الدراسة أن أشتري سيارة خاصة، فقد كنت أظن أن ركوب القطارات والمترو والباصات ليس لنا؛ حيث إننا لم نعتد عليها، وأنها خدمات يداوم عليها من يرغب في التوفير أو لا يمتلك مالاً لشراء سيارة خاصة.

وتابع قائلاً: كانت سيارتي من أثمن ما أملك، فهي تعني لي حرية التنقل والقدرة على الانطلاق حيث أريد ومتى أريد، ولم أكن على استعداد مطلقاً لتحمل الشعور القاتل بأني غير قادر على الحركة، بل لم أكن أتخيل كيف بوسعي ممارسة أي نشاط بدون سيارة خاصة رهن إشارتي تنتظرني عند الباب. استطرد الشاب: لكني ما أن أتيت إلى هنا، حتى كانت المفاجأة؛ في البداية اضطررت أن استخدم وسائل النقل العام، من الباص إلى المترو؛ فسكني بعيد عن الجامعة، وكنت طوال الوقت أعدّ نفسي بأن هذا الوضع مؤقت وبعدها سأقتني سيارة أنيقة. مع مرور الشهور بدأت أشعر أني أكثر تعلقاً باستخدام النقل العام، وأخذت فكرة امتلاك سيارة تأفل وتتبخر؛ وفطنت لمزايا عدة لم تخطر على بالي من قبل؛ فتكلفة امتلاك سيارة هنا عالية جداً مقارنة بالمملكة، من حيث البنزين والمواقف والضرائب.

أخذت أتمعن فيما قاله الشاب، هل يجب أن يعيش أحدنا في الخارج؛ حتى يقتنع بمزايا النقل العام؟ وبالتكلفة الاستثمارية العالية لإنشائه وبعد ذلك لتشغيله. مترو الرياض سيمثل نقلة نوعية، ليس فقط في مفهوم سكان المدينة للتحرك بين جنباتها، فمن المؤمل أن يحدث طفرة اجتماعية حقيقية، فمن منا حالياً يجرؤ أخذ رحلة من أقصى مدينة الرياض لأقصاها دون أن يخاطر بانقضاء جزء مهم من يومه في السيارة في إهدار فادح للإنتاجية، نظراً لطول المسافات من جهة وانتشار الازدحام والاختناق المروري فيها؟

كما أن المترو سيساهم اجتماعياً في تسهيل التواصل بين الناس. أما اقتصادياً فسيعني كفاءة أعلى لأسباب لا يتسع المجال لتعدادها، منها: تحسين قدرة الموظفين على الانتقال لمسافات بعيدة ليس بوسعهم قطعها في يومنا الراهن، وسيعين المرأة العاملة كثيراً، فالقدرة على التنقل تمنحها المرونة للمواءمة بين الاهتمام بأسرتها ومتطلبات العمل، حتى وإن تباعدت المسافات وضاق الوقت؛ كما أن تلك المرونة تنساق لتوسيع خيارات السكن كذلك.

وختم الشاب بالقول: إن أهم ما اكتسبته من استخدام المترو هو أخذ المواعيد والوقت على محمل الجدّ، فإن تأخرت ثواني عن موعد العربة، فستتركَني وقد يضطرني ذلك للانتظار عشر دقائق أو ربع ساعة حتى تأتي العربة التالية. وحتى أخطط لأخذ المترو في الصبح عند ساعة محددة، فسيكون عليَّ أن أحدد وقت استيقاظي صباحاً، ومتى سأعود مساءً، وهكذا طيلة أيام الأسبوع.

أما أنا فأختم بسؤال: لماذا لا يفكر القائمون على مترو الرياض بدراسة إمكانية تشغيله جزءاً جزءاً؟ بحيث يكون الافتتاح الأول عند جاهزية أول محطتين يربطهما خط. الدافع لذلك هو الرغبة في استفادة السكان من مزايا المترو في أقرب فرصة.

*نقلا عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.