.
.
.
.

القيادة المالية.. داخل الأسرة

طلال الجديبي

نشر في: آخر تحديث:

حتى من اعتاد على ممارسة الدكتاتورية داخل المنزل فسيجد نفسه اليوم مجبرا على التنازل عن بعض ممارساته. لم يعد من الممكن التحكم في وعي أفراد الأسرة بالطريقة ذاتها المستخدمة في الماضي القريب. لذا، من الملائم أن يتحول أسلوب إدارة الشؤون المالية داخل الأسرة إلى القيادة المؤثرة بدلا من السعي خلف الانضباط والتحكم بأسلوب عسكري عفى عليه الزمن؛ وفي هذا التغيير مصلحة آنية ومصلحة مستقبلية أيضا إذ ينعكس على سلوكيات الأبناء عندما يكبرون.

يقول ريتشارد برانسون الريادي البريطاني المعروف: "قد تأتيك أعظم دروس القيادة من المنزل، نعم نحن نتعلم من المؤسسات التعليمية وأماكن العمل الشيء الكثير، ولكن ما نكتسبه من آبائنا مؤثر وعظيم". كلامه منطقي جدا، فالبيت مؤسسة اجتماعية تربوية مؤثرة.

تشكل النقلة النوعية في طريقة تفاعل أفراد الأسرة مع بعضها البعض أمر لا يمكن إنكاره. وهذا جزء من ملامح الأسرة العصرية، كما تُوصف أحيانا. وعلى الرغم من أن النموذج الغربي المفرط في المساواة لا يناسبنا، إلا أن التغيير حتمي والتعامل معه بطريقة تحافظ على قيمنا وتحافظ في الوقت نفسه على مستقبل الأبناء مطلب مهم.

ولكن لماذا يجب علينا اليوم التفاعل بطريقة مختلفة عندما نتحدث عن إدارة الشؤون المالية؟ أولا: أصبحت القيادة مشتركة ولم يعد دور الأب مستقلا ومسيطرا كما كان في السابق، فالأم تشاركه ـــ وبنسب متزايدة - في العمل والمساهمة في صنع مداخيل الأسرة. حتى وإن كانت سيدة المنزل لا تعمل، فهي تشارك حتما في القيادة المالية داخل الأسرة بالتدبير والتنسيق والتأثير.

ثانيا، لم يعد من المنطقي إخفاء الاستراتيجية والسياسة المالية داخل الأسرة، فالأمور مكشوفة والمصير مشترك. قد يعرف الأطفال الكثير من التفاصيل المالية وربما حتى التزامات الأسرة المالية المتكررة. عندما يرتفع الذكاء المعرفي للأطفال تتحول الأساليب التقليدية القديمة التي "يتصرف" فيها الأب إلى مجرد استفزاز لا داعي له، بل تقوض نسيج الثقة الذي يفترض أن يحافظ عليه الأب القائد داخل الأسرة.

ثالثا، من الوارد أن يواجه أفراد الأسرة تحديات مالية كبرى في المستقبل القريب. فالشاب لن يبني "غرفة وصالة" في فناء منزل والده الفسيح ويتزوج ببساطة كما كان الحال في الماضي. بل سيضطر إلى مواجهة تكاليف الدراسة والمسكن والزواج ربما قبل أن تحدث، ستكثر حوله مغريات الحياة التي لم تكن موجودة في السابق، فهو معرض للسباحة في بحر الديّن مع أول بطاقة ائتمانية يصدرها، إلا إن كان حذرا ومحظوظا فسيمشي بمحاذاة شواطئ الديّن طوال حياته! مواجهة هذه التحديات أكيدة وتجاوزها يعتمد بدرجة كبيرة على الوعي المالي الذي يُكتسب في الوقت المناسب؛ يبدأ هذا الوقت من اللحظة التي يتحول فيها الفرد إلى عضو حقيقي في الأسرة وحتى يستقل عنها.

عندما نتحدث عن القيادة المالية نحن نتحدث عن التخطيط والشفافية، عن الاتفاقيات الواضحة والأهداف المعلنة والمتابعة الصريحة. لا تحتاج المسألة هنا إلى كثير من التعقيد، هي مجرد جلسات دورية تقدم فيها قيادة الأسرة الاحترام لبقية الأفراد. معضلتان تقع فيهما الكثير من الأسر تصعبان من نجاح هذه الجلسات: إما أنها لا تملك ما يكفي من الأهداف والخطط المالية الواضحة والواقعية، أو أن أفرادها لا يتحدثون مع بعضهم البعض!

القيادة تستدعي التأثير ومراعاة العواطف واستخدام المحفزات. وعندما نتحدث عن التربية فالقيادة هنا لا تنحصر في حل مشكلات آنية أو إدارة أزمات مؤقتة. الأمر أوسع بكثير، حيث تنعكس كل أساليب إدارة الأسرة وشؤونها على مستقبل أفرادها ما يتطلب الكثير من شجاعة التغيير والذكاء والثقة. لا بد من إتقان الربط بين واقع أفراد الأسرة ـــ أخذ العمر ومستوى الوعي والاهتمامات في الحسبان ـــ وواقع أموال الأسرة ـــ تحدياتها الحالية والقادمة، لتتمكن القيادة المالية المنزلية من خطف النجاح وتأمين مستقبلها من المخاطر المالية.

يشير راسل سيزاري وهو مخطط مالي معتمد إلى أن تطور إدارة الأموال داخل الأسرة والتغييرات الحياتية التي تعيشها معظم الأسر تستوجب تغيير طريقة التعامل، وليس من المستغرب أن تتحول المرأة إلى المدير المالي للأسرة Family CFO. وهذا حسب رأيه لا يحصل إلا بالمشاركة والتمكين وليس مجرد نتيجة طبيعية لعملها وحصولها على الدخل، لابد أن تشارك في وضع الخطط المالية وفهم الخيارات المتاحة للأسرة حتى تساعد على اختيارها بإيجابية وارتياح.

* نقلاً عن الاقتصادية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.