.
.
.
.

شروط تثمير الدعم الاقتصادي لمصر

عامر ذياب التميمي

نشر في: آخر تحديث:

بيّن مؤتمر شرم الشيخ هذا الشهر اهتماماً واسعاً من حكومات ومؤسسات اقتصادية بتعزيز التنمية والاستثمار في مصر. وتمثل التعهدات التي قدمت من بلدان الخليج والاتفاقات التي وقعت بين الحكومة المصرية والعديد من الشركات والمؤسسات قناعات بأهمية دعم الاقتصاد المصري والاستفادة من إمكاناته في المديين المتوسط والطويل. لكن ثمة متطلبات أساسية لا بد أن تعمل الحكومة المصرية على توفيرها ليأخذ هذا الدعم زخمه وتنطلق الأعمال في مختلف القطاعات بما يؤدي إلى رفع معدلات النمو ويزيد من تدفقات الأموال لتوظيفها في مختلف الأعمال والنشاطات. منذ 1974 عندما صدر القانون رقم 43 المتعلق بالاستثمار، وظف العديد من المستثمرين المصريين والعرب والأجانب أموالهم في مشاريع حيوية في قطاعات النفط والسياحة والعقار والخدمات وعدد من الصناعات التحويلية. بيد أن التحولات الهيكلية للاقتصاد المصري ظلت محدودة ولم تعزز تطوير الاقتصاد المصري إلى اقتصاد حر يحتكم إلى القوانين الطبيعية للسوق، إذ ظلت البيروقراطية تتحكم بالقرارات وتتجاوز قوانين الانفتاح الجديدة. ومكنت فرص الانفتاح عناصر من الطبقة السياسية من الاستفادة من فرص الاستثمار بعد تجاوز شروط الشفافية وقيود المنافسة المشروعة وكل مستلزمات تعزيز الكفاءة وتحقيق العدالة في توزيع الثروة في البلاد.

عندما حدث التغيير السياسي الكبير في مصر في 23 تموز (يوليو) 1952، كان الاقتصاد المصري يعتمد على دور حيوي لطبقة رجال الأعمال. وعملت تلك الطبقة على تحديث الاقتصاد وتفعيل دور الصناعات التحويلية، فأقيمت صناعات نسيجية معتمدة على زراعة القطن المصري المشهور، وصناعات غذائية أساسية. وتطورت المؤسسات المالية التي أقيمت خلال العقود الأولى من القرن العشرين وبمشاركة مؤسسات مالية أجنبية، ومن تلك المؤسسات «البنك الأهلي» و «بنك مصر».

لكن قيادة الثورة، بل الانقلاب، المكونة من ضباط الجيش أرادت تحويل الاقتصاد المصري إلى اقتصاد يعتمد على دور مهيمن للدولة. وكانت البداية بإصدار قانون الإصلاح الزراعي الذي أدى إلى تفتيت الملكية الزراعية وزيادة أعداد الملاك الزراعيين، ثم كان تمصير الملكيات الأجنبية في المؤسسات والشركات المصرية، سواء كانت مصارف أو شركات صناعية أو خدمية أو غيرها، وكان من بين تلك الشركات شركة قناة السويس، التي أدى تأميمها إلى نزاع مصر مع البريطانيين والفرنسيين أعقبه العدوان الثلاثي على مصر أواخر 1956.

لا شك أن خلط متطلبات الاستقلال الوطني والتحرر من الهيمنة الاستعمارية، آنذاك، مع القضايا الاقتصادية، عطل من إمكانيات تطوير الاقتصاد المصري وأفقد رجال الأعمال المصريين والأجانب الثقة في الاقتصاد المصري وفرص تحقيق عائدات على الاستثمار، وارتفعت درجات الخشية من خسارة الأموال التي يجري توظيفها في مصر. وبعد اعتماد الميثاق الوطني في 1962 الذي أكد ضرورة تأميم المصالح الخاصة وحقوق الملكية في العديد من القطاعات، لم يعد أمام رجال الأعمال من خيار سوى التوقف عن العمل والنشاط الاقتصادي، خصوصاً أن الدولة صادرت مصالح كثيرة من دون تعويضات مناسبة.

وعندما أصبح أنور السادات رئيساً للجمهورية عام 1970 بعد وفاة الرئيس جمال عبدالناصر، حاول أن يتحرر من نظام الاقتصاد الشمولي، أو الموجه، ويغلب دور القطاع الخاص، ولذلك أصدر قوانين وقرارات، من بينها القانون 43 لعام 1974، لحفز الاستثمار الخاص في مصر. وخلال حكم السادات ثم حكم الرئيس السابق حسني مبارك تحولت ملكية العديد من المنشآت إلى القطاع الخاص، كما استُثمرت أموال خاصة مهمة في مشاريع عديدة، خصوصاً في القطاع العقاري وقطاع السياحة.

لكن هذه التحولات لم تجعل من الاقتصاد المصري اقتصادا حراً يعتمد على آليات السوق الطبيعية، ويرفع من مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي إلى درجة مهمة. وظلت قدرات القطاع الخاص على خلق فرص الأعمال ومن ثم فرص توظيف اليد العاملة المصرية محدودة بعد تعطل عمليات تخصيص المنشآت الصناعية. وظلت الحكومة مسؤولة إلى حد كبير عن توظيف المتدفقين إلى سوق العمل من الشباب المصري بما يزيد من الأعباء على الدولة. يضاف إلى ذلك أن الدولة لا تزال تتحمل أعباء الدعم السلعي ودعم الوقود بتكاليف عالية بما يزيد عن 20 بليون دولار سنوياً. ويبدو أن معالجة مسائل التوظيف والدعم تظل من الأولويات بالنسبة إلى الحكومة المصرية الجديدة، التي تأمل بأن تمكن الاستثمارات العتيدة من خلق فرص العمل والارتقاء بالكفاءة الإنتاجية بما يخفف من هذه الأعباء على الخزينة العامة للدولة.

عندما جرى التغيير من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري عام 1952 كان عدد سكان مصر 18 مليوناً، أما الآن فإن عدد السكان بات 90 مليوناً، أي خمسة أضعاف ما كان عليه قبل 63 عاماً. إذاً فإن المسؤوليات أصبحت جسيمة وتتطلب اقتداراً في المواجهة. ولن تتمكن مصر من تطوير اقتصادها ولن تستفيد من زخم مؤتمر شرم الشيخ من دون تحرير الاقتصاد من البيروقراطية، وهذا يتطلب تحديث قوانين الاستثمار وحقوق الملكية الاقتصادية وأنظمة الضرائب بما يعزز ثقة المستثمرين المصريين قبل العرب والأجانب.

ولا بد من الارتقاء بأنظمة التعليم والتدريب المهني لتوفير يد عاملة مناسبة للنشاطات المختلفة. وثمة ضرورة للسيطرة على الأمن والتحرر من أخطار الإرهاب مع تحقيق الوئام السياسي عبر آليات النظام الديموقراطي التي أقرت في الدستور الجديد. وفيما يبقى حجم الناتج المحلي الإجمالي في مصر متواضعاً قياساً بالإمكانات الكامنة في البلاد، يتعين رفعه من 370 بليون دولار مقدرة هذا العام من خلال توظيف رؤوس أموال مهمة في القطاعات ذات الميزات النسبية، مثل السياحة والنفط والصناعات التحويلية المجدية والخدمات الارتكازية، مثل قناة السويس عبر مشروع توسيعها. ويمكن رفع معدل النمو الاقتصادي إلى ما يزيد عن ثلاثة في المئة سنوياً.

* نقلا عن صحيفة "الحياة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.