المغرب: إصلاحات اقتصادية ومعوقات

سمير صبح
سمير صبح
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

يرى الكثير من الاقتصاديين المغاربة وبعض خبراء المؤسسات المالية العالمية، خصوصاً في صندوق النقد الدولي، أن من السابق لأوانه إعداد صورة متكاملة عن الإصلاحات التي اضطلع بها الملك محمد السادس منذ سنوات، وعن مستويات نجاحاتها وإخفاقاتها. فبعضهم يعتبرها في بداياتها ولا يمكن الحكم عليها، والبعض الآخر يقر بأن عدداً منها وهو أساسي بالنسبة لتقدم المملكة، يعاني من صعوبات في التنفيذ لأسباب متعددة.

مع ذلك، هناك رأي شبه عام لدى الهيئات والمؤسسات التي يتكون منها المجتمع المغربي، بأن عدداً من الإصلاحات أعطى ثماره وانعكس إيجاباً على حياة المغاربة. في هذا الإطار، وعلى سبيل المثال، تشير مؤسسة «إريس» التي تشكل جزءاً من برنامج الدراسات حول «التنافسية الشاملة»، إلى أن هذه الإصلاحات مست مجالات استراتيجية مثل تعديل الدستور وصندوق المقاصة ونظام التعويضات ووسائل الإعلام، والمالية العامة وتحرك المجتمع المدني في شكل أوسع وأكثر فعالية، والتطبيق التدريجي للامركزية الإدارية. وتأتي أهمية تحقيق الإصلاحات على أرضية المشاورات العامة التي نصت عليها المواد المعدلة في الدستور.

يضاف إلى هذه الخطوات الإيجابية على صعيد الإصلاح ما تم إنجازه عملياً وتتوافق غالبية طبقات المجتمع المغربي على الاعتراف به. ويأتي في طليعة هذه الإصلاحات الملموسة، إنشاء صندوق دعم التنسيق الاجتماعي، وتطوير برنامج «تيسير» الذي يتضمن الدعم المالي للأرامل اللواتي يعشن في ظروف مادية صعبة، وأصحاب الحاجات الخاصة، ثم تحريك صندوق التضامن العائلي لمصلحة السيدات المطلقات. وفي إطار هذه الإنجازات يمكن إدراج زيادة قيمة المنح المخصصة للطلاب وإنشاء صندوق التعويض عن خسارة الوظائف، إضافة إلى الإصلاحات التي لاقت استحساناً من البنك الدولي والمتعلقة بنظام التوظيف من خلال المسابقات بدلاً من التعيين. ومن ضمن هذه الإصلاحات ذات الأثر الاجتماعي الكبير، خطة إزالة المساكن المبنية من الصفيح التي تزنر المدن الكبرى واستبدالها بمساكن شعبية تتوافر فيها وسائل العيش الكريم. وتشمل هذه الخطة التي تنتهي المرحلة الأولى من إنجازها نهاية عام 2017، نحو مليون مسكن.

ويرى المراقبون أن الملك محمد السادس عمد، بعد نحو 15 سنة على اعتلائه العرش، إلى إجراء تحول جذري في الخارطة السياسية للبلاد. فعلى الصعيد السياسي، والذي كان يشكل مشكلة رئيسية، طرح اعتماد دستور جديد من خلال استفتاء شعبي تم عام 2011. وتركزت التعديلات على تعزيز سلطات رئيس الوزراء بحيث أصبح رئيساً للحكومة، ما أعطاه سلطات واسعة كانت تعود في الماضي للإرادة الملكية وحدها، بخاصة مسألة حل البرلمان. وفي السياق ذاته، عززت مواد الدستور الجديد توسيع مجال الحريات الخاصة والعامة ومبدأ المساواة بين الرجل والمرأة.

أما الإصلاحات الاقتصادية فبدأت تؤتي ثمارها، خصوصاً مع الثبات والتحسن المستمر لناتج الدخل القومي، على رغم الظروف العالمية الصعبة والتباطؤ الاقتصادي الحاد الذي يصيب الشريك الأول للمملكة، أي دول الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى التأثيرات السلبية لسنوات الجفاف. وتشير التقارير الواردة من البنك الدولي وصندوق النقد، إلى أن إطار الاقتصاد الكلي يعتبر صحياً وقادراً على تشكيل رافعة فاعلة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وخفض البطالة. ومن ضمن الإصلاحات الكبرى الأخرى يمكن ذكر عدد من المشاريع ذات البعد الاستراتيجي، مثل إنجاز توسيع مرفأ طنجة المسمى «طنجة ميد» الذي يفتح الأبواب أمام الاستثمار العالمي ويطور منطقة الشمال التي كانت على الدوام مهمشة ومحرومة. ولقد بلغت الصادرات الصناعية للمصانع المتواجدة في المنطقة الحرة من المرفأ نحو 40 بليون درهم (نحو 4.2 بليون دولار) عام 2014 تعود غالبيتها لصناعة السيارات ومكونات صناعة الطيران والإلكترونيات. وتستقطب المنطقة الحرة اليوم أكثر من 700 شركة من مختلف الأحجام تعود لاستثمارات من دول منطقة اليورو والولايات المتحدة، ومنطقتي الخليج والمغرب العربي.

ومن البرامج الإصلاحية الأخرى إطلاق مشاريع الطاقة المتجددة والمستدامة التي بدأت باستغلال الطاقة الشمسية في منطقة ورزازات الجنوبية والتي بلغ الاستثمار فيها للمرحلة الأولى بمشاركة خليجية وأوروبية نحو 5 بلايين دولار. يضاف إلى ذلك المشاريع الأساسية على غرار ربط البلاد بشبكة السكك الحديد للقطار السريع، والشروع بالإعداد للمشروع العملاق المسمى» الطريق السيار للماء» الذي سينقل عبر الأنابيب، المياه من مناطق الشمال إلى الجنوب، إضافة إلى بناء الكثير من محطات تحلية المياه والكهرباء.

إذا كان المغرب قد نجح في هذه الجوانب من الإصلاحات، فهو لم يتمكن بعد من تطبيق إصلاحات جوهرية أخرى. ويعاني في ذلك من معوقات يصعب في بعض الحالات التغلب عليها على رغم إصرار الحكومة وفي بعض الأحيان التدخلات عبر الآليات التي وضعها الملك للإسراع في هذه العمليات، نظراً إلى وجود مجموعات ضغط قوية ومتماسكة تستميت للحفاظ على الامتيازات التي كسبتها وأرست قواعدها وشبكاتها طوال عقود. وفي طليعة الإخفاقات، عدم القدرة على إصلاح القضاء الذي يعاني بصراحة من نقص في القدرات والرشوة المتجذرة في بنيته، ما ينعكس سلباً على تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة. ومن الإصلاحات التي لن ترى النور بما فيه الكفاية حتى الآن، النظام التعليمي، بدءاً من المرحلة الابتدائية وصولاً للجامعية والتي تعاني حكومة عبدالإله بن كيران الأمرّين من عدم القدرة على تحديثه لأسباب ذاتية وموضوعية. يضاف إلى ذلك القطاع الصحي على رغم زيادة الموازنة الخاصة به كل سنة. ومن الإصلاحات الأخرى التي تواجه صعوبات، محاربة التهريب والرشوة في الإدارات العامة والبطالة خصوصاً بالنسبة لحاملي الشهادات العليا. لكن يذكر هنا أن الدولة بدأت تفرض على المجموعات الاقتصادية الكبرى منذ شهور، استيعاب أعداد منهم، وعلى المصارف تقديم القروض اللازمة.

* نقلا عن صحيفة " الحياة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.