.
.
.
.

إرهاب حزب الله .. ومصارف لبنان

محمد كركوتي

نشر في: آخر تحديث:

"الإرهاب أصبح سلاحا منظما في حرب لا حدود لها".

جاك شيراك رئيس فرنسا الأسبق

مع كل تحرُّك ضد تمويل حزب الله الإرهابي الإيراني في لبنان، ولا سيما من جانب الولايات المتحدة، تتحرك المصارف والمؤسسات المالية لفك ارتباطها بهذا الحزب، الذي لم يوجد أصلا إلا لنشر ما أمكن من الخراب في لبنان وفي كل بلد في المنطقة وخارجها. ولم يوفر هذا الحزب جهة مالية (مهما كانت صغيرة) إلا واستخدمها لتمرير الأموال أو غسلها، وهي في الواقع الجهات نفسها التي تستخدمها إيران هربا من محاصرة العقوبات الدولية لها. لا عجب في ذلك. فالصانع هو إيران، والمصنوع هو حزب الله. ولولا الأولى لما ظهر الثاني. ولأنه سلاح طهران الاستراتيجي، فإن الإبقاء عليه قدر المستطاع، أصبح ضرورة استراتيجية ملحة، تتقرر في الواقع عند زعيم الملالي علي خامنئي، لا دونه.

العلاقة بين الصانع والمصنوع يعرفها الجميع، ولا أسرار فيها. وحزب الله أثبت بجرائمه وسجله الإرهابي إيرانيته بصورة صدمت حتى من تبقى من المعتدلين الإيرانيين (إن وجدوا). والعلاقة مباشرة مع خامنئي، حتى إن مسؤولين في طهران لا يعرفون تفاصيلها أو مخططاتها، وإن عرف الجميع أبعادها. حزب الله الإرهابي، اشتغل ماليا لحساب خامنئي، مستغلا في السنوات الماضية التراخي الأوروبي (دوليا) تجاهه، ومتنعما حتى بالتراخي العربي حيال حزب يخطط لكل خراب ممكن في أي منطقة يمكنه الوصول إليها. الأمر ليس كذلك مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة. فهذه الأخيرة اتخذت مواقف وخطوات معلنة قوية، لتضييق الخناق المالي عليه. وحتى عندما تحول حزب الله إلى عصابات احتلال في أكثر من بلد في المنطقة، ظل الموقف الأوروبي مريبا خانعا غريبا.

مع الجولة الأمريكية الأخيرة من العقوبات التي شملت مزيدا من الأفراد والشركات والمصارف، التي توفر الملاذات المالية الآمنة لحزب الله، أدركت هذه الجهات أنها لا تستطيع مواصلة عملياتها المالية المشينة، وأن هذه العقوبات لن تترك أحدا. صحيح أنها تأتي بالتدريج، لكنها ماضية إلى الأمام لتجني ما أمكن من الأموال المتدفقة لهذا الحزب الإرهابي. ولأن حسن نصر الله أخذ لبنان رهينة يتمتع بها كيفما شاء، فقد أخذ معه ما استطاع من مؤسسات مالية، سواء برضا وتعاون القائمين عليها، أو بخوف بعضهم من أن يطول التخريب مؤسسته. فحزب الله لا يعرف سلوكيات المؤسسات الشرعية، وكل أدواته ليست سوى من تلك التي يستخدمها العصابات وقطاع الطرق.

مع الجولة الأمريكية الأخيرة، أبدت مصارف عدة عزمها على اتخاذ خطوات عملية لمنع حزب الله من استغلالها، من خلال تبييض الأموال لاستخدامها في الاستراتيجية الإرهابية الشاملة له. وتقول مصادر (وهي مصادر لأنها تخشى الإفصاح عن هويتها) من القطاع المالي، إن السلطات اللبنانية تبذل جهودا كبيرة لدرء هذه الظاهرة، لكن العراقيل السياسية المفروضة من قبل بعض الجهات اللبنانية، تحول دون استطاعتها القيام بواجبها بشكل كامل، وهذا يعني ببساطة أن حزب الله يهدد كل من يرفض التعاون معه ماليا، وهو يعلم أن باستطاعته تحويل الرافض من حقيقة موجودة، إلى حقيقة كانت. كما أنه يجبرها على التعاون حتى تحترق وتأخذ مكانها في القائمة الأمريكية السوداء. فإذا كان لا يأبه لحرق بلد بأكمله، فلا قيمة لحرق مؤسسة أو مؤسسات.

ومع ذلك، بدأت بالفعل مؤسسات مثل مصارف "بيبلوس" و"الشرق الأوسط وإفريقيا" و"لبنان والمهجر"، بالالتزام بالعقوبات الأمريكية فورا. لكن الأسئلة تبقى: إلى أي مدى يمكن لهذه المؤسسات وغيرها أن تمضي في التزامها هذا، خصوصا مع استمرار حراكها المالي؟ هل هي مجرد فورة تتواءم مع موجة العقوبات الجديدة، أم أنها حقيقية؟ هل تستطيع الكشف الكامل عن ملفاتها فيما لو طلب منها ذلك؟ هل تطلب حماية (مثلا) من الجهات الفارضة للعقوبات؟ وهناك كثير من الأسئلة التي يبدو أنه من الصعب على أي جهة لبنانية كانت أم غير لبنانية توفير الإجابات الواضحة عنها. فالقضية برمتها ليست خيارات مصرفية، بل صيغة إجبارية مصرفية تحت التهديد ليست بالغرامات بل بالتصفية. فالتصفيات على الساحة اللبنانية متأصلة.

ليس أمام المؤسسات المالية اللبنانية المتورطة مع حزب الله سوى التعاون مع السلطات الفارضة للعقوبات؛ لأنها في الواقع ستنتهي تدريجيا دون أن ننسى أن علاقاتها حتى في البلدان التي يتعاطف حكامها مع حزب الله وإيران مهددة أيضا. فقد بعثت السلطات العراقية (مثلا) برسائل إلى السلطات اللبنانية تؤكد أنها تنوي سحب الموافقات التي أعطيت لغير مؤسسة مالية لبنانية بالنشاط في الأراضي العراقية، بسبب دخولها أو دخول مسؤولين فيها قوائم الحظر الأمريكية. فحتى بغداد المتماهية مع طهران وعصابتها كحزب الله لم تستطع مواصلة تجاوزاتها للعقوبات. وهذا يوفر بالفعل قوة إضافية للمؤسسات اللبنانية المالية التي تنوي بالفعل التوقف عن خدمة هذا الحزب ماليا، بما في ذلك تبييض أموال المخدرات الرئيسة له.

لم تعد هناك حلول وسط في هذا الأمر. فحزب الله لم يحتل لبنان فحسب، بل بات محتلا مناطق عدة في المنطقة العربية، عن طريق قتل الأبرياء وتدمير ما أمكن فيها.

* نقلا عن صحيفة "الاقتصادية "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.