اقتصاد تركيا.. لماذا وإلى أين؟
هل دخل الاقتصاد التركي مرحلة اللاعودة في ظل حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان؟ المنحنى الحاد للاقتصاد التركي يوحي بذلك بما لا يقبل التأويل والاجتهاد.
الإحصاءات الحكومية أظهرت 1.6 نمواً في الربع الأول 2015 معدلاً على أساس سنوي.في الفترة نفسها من 2014 كان سجل 2.7 في المئة.
يقل ذلك بكثير عن توقعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) بواقع 4.7 في المئة معدلاً وسطاً في الفترة بين 2014 و2016.
التراجع الحاد في سعر صرف الليرة التركية الذي بات قريباً من مستوى 2.85 للدولار الأمريكي يكمل المشهد التنازلي للاقتصاد التركي.
لماذا، وإلى أين؟ لا أحد يجادل بالإنجازات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة التي حققها أردوغان وحزبه بعد انتخابات 2002 التي أوصلته إلى السلطة في 2003، وقد كتبنا عنها أكثر من مرة.
في غضون سنوات عشر رفع الناتج المحلي لتركيا بواقع الضعف، إلى 800 مليار دولار أمريكي من نحو 400 مليار، فبات الاقتصاد السادس عشر عالمياً والأول في منطقة الشرق الأوسط.
الأهم من ذلك، أن النمو جاء مصحوباً ببعد اجتماعي وتنموي ليرفع الدخل الفردي إلى الناتج بمعادل القوة الشرائية من نحو 4 آلاف و500 دولار أمريكي سنوياً في 2003 إلى فوق 11 ألفاً في 2014.
وكانت مشاريع جبارة في البنية التحتية، وفي العاصمة الاقتصادية إسطنبول المقسمة بعلة جمالها البوسفور. فبنى جسراً جديداً وسدوداً على ضفاف دجلة والفرات، وكانت له مشاريع تحتية كثيرة في الأرياف التركية المحرومة.
كان لافتاً أن تتجاوز تركيا بعد 2008 الأزمات المالية والاقتصادية العنيفة التي ضربت شركاءها التجاريين في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لتحقق في الفترة 2007 - 2010 متوسط نمو بواقع 8 في المئة لم تسبقها إليه سوى الصين.
أفاد أردوغان كثيراً من التطورات الإقليمية الجيوسياسية، وقدم نفسه بعد قضية الباخرة مرمرة في 2010 التي حاولت رفع الحصار «الإسرائيلي» عن غزة زعيماً يعتد به في المنطقة، ففتح أبواب اقتصاده على الدول العربية ومنطقة الخليج العربي.
وبين 2002 و2012 ارتفع حجم التبادل التجاري التركي مع الدول العربية إلى نحو 45 مليار دولار أمريكي، بواقع 300 في المئة.
تلفّت إلى إيران وروسيا، الأولى تعاني ضائقة العقوبات الاقتصادية الدولية على خلفية الملف النووي، والثانية عقوبات أقل وطأة تتصل باحتلالها جزيرة القرم والأزمة مع أوكرانيا. شكل إحدى البوابات المواربة لاقتصاد إيران، ورفع حجم صادراته إلى روسيا في 2014 لتبلغ نحو 36 مليار دولار أمريكي من نحو 12 ملياراً في 2004.
بعد الانتخابات الرئاسية في أغسطس/آب 2014 التي فاز بها أردوغان كتبنا في «الخليج» بعنوان «فوز مؤزّر، فحذارِ الجموح» إنه «إذا وصل جموح أردوغان السياسي إلى الإصرار على تحويل النظام رئاسياً، في سباقه للهيمنة على السلطة، وانتظار الانتخابات العامة 2015، بأمل حيازة ثلثي أعضائه لتعديل الدستور، وميله المتزايد للاقتصاص من معارضيه، فسيفتقد الاقتصاد التركي أيضاً عامل الاستقرار الذي أمده بالدفع في الحقبة الماضية». والحق أن جموح أردوغان فاق التوقعات، رفض الذهاب إلى قصر «جانكايا» التاريخي الذي سكنه مصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة، ومن تعاقب من بعده،
واستبدل به «آق سراي» أي البيت الأبيض، ويقال إنه بتكلفة فاقت 350 مليون دولار أمريكي.
حتى إذا أصر على تحويل النظام السياسي رئاسياً، خذله الناخب التركي، ولم ينجح حزب العدالة والتنمية رغم فوزه بالغالبية من حيازة 330 مقعداً حداً أدنى في مجلس النواب الجديد لتعديل الدستور وتحقيق وطره.
تراجع نمو الاقتصاد التركي في الربع الأول 2015، كان نتيجة لمسار من الأخطاء الاستراتيجية التي وقع بها أردوغان.
ويعقب سلسلة من التراجع بدأت في 2013 إثر السياسة التي نهجها حيال مصر بعد عزل حليفه الرئيس السابق محمد مرسي، رغم علمه أن تلك السياسة ستؤثر على علاقات تركيا الاقتصادية مع دول مجلس التعاون. وقد تراجعت صادراتها إلى مصر 17 في المئة 2014.
85 ألف شاحنة تركية كانت تعبر سوريا سنوياً إلى دول الخليج العربي محملة ببضائع تركية قبل قفل المنافذ الجمركية السورية نتيجة الحرب.
لم يتمكن أردوغان بعد من تأليف حكومة جديدة كلف بها حليفه أحمد داود أوغلو صاحب شعار «صفر مشاكل» يوم كان وزيراً للخارجية.
وتبقى أيام من الأربعين يوماً بموجب الدستور لتأليف حكومة أو الدعوة لانتخابات عامة جديدة. مشكلات تركيا إلى تصاعد.
العوامل نفسها التي لعبت دوراً محفزاً للاقتصاد التركي تعود لتلعب الآن دوراً مناوئاً في ضوء مهمة تركية غير واضحة المعالم في سوريا بغطاء أمريكي.
السياحة هي نبض الاقتصاد التركي الآن بنحو 34.5 مليار دولار أمريكي، والاستثمارات تراجعت في 2014 بواقع 23 في المئة عن 2013.
يتأبط أردوغان حقيبة من الضغوط الاقتصادية والسياسية، الواضح أنه وحزب العدالة والتنمية لم يعودا قادرين على التوفيق بين السياسات الاقتصادية الليبرالية وبين ميول الحزب الإسلامية.
الطريقة التي نهجها أردوغان عن الصين نموذجاً بين التعاليم الشيوعية وبين الانفتاح الاقتصادي.
ولا نموذج أردوغان رئيساً للجمهورية هو النموذج نفسه رئيساً للوزراء.
* نقلا عن صحيفة " الخليج "