اليونان: التقشّف يفشل في ظلّ أوضاع اقتصاديّة متردّية

علي توفيق الصادق
علي توفيق الصادق
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

انضمت اليونان إلى الاتحاد الأوروبي في الفاتح من عام 1981، وبدأ العمل بالعملة الأوروبية، اليورو، في الفاتح من عام 1999، وانضمت اليونان إلى منطقة اليورو في الفاتح من 2001. وكان المستثمرون ينظرون إلى اليونان قبل انضمامها إلى منطقة اليورو، باعتبارها دولة متوسطة الدخل، ضعيفة الحوكمة وبالتالي عالية الأخطار. وبعد الانضمام، تغيّرت نظرة المستثمرين وبدأوا يقرضون اليونان مبالغ كبيرة بأسعار فائدة مخفّضة، كما لو أنهم يقرضون بلداً قليل الأخطار مثل ألمانيا.

خلال الفترة 2000 - 2007، كان الاقتصاد اليوناني ينمو بمعدلات جيدة تفوق معدلات النمو العالمي والنمو في منطقة اليورو، إذ تراوح نموه بين 3 و7 في المئة (باستثناء عام 2005)، وفي منطقة اليورو بين 1 و4 في المئة، والنمو العالمي بين 2 و6 في المئة. لكن النمو اليوناني المعتبر اعتمد على ارتفاع الاستثمارات المموّلة بالقروض: بلغت الفجوة بين الاستثمار والادخار الوطني 7.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2000، وارتفعت إلى 14 في المئة عام 2007، وهذه الفجوة انعكست في عجز الحساب الجاري في ميزان المدفوعات. وارتفع عجز الموازنة من 3.6 في المئة عام 2000 إلى 6.7 في المئة عام 2007 و15.2 في المئة عام 2009، ما أدى إلى ارتفاع المديونية الحكومية من 99.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2000 إلى 102.8 في المئة عام 2007، وارتفع أكثر في السنوات اللاحقة ليصل إلى نحو 146 في المئة عام 2010.

الأزمة المالية العالمية عام 2008، «فضحت» المستور وأظهرت أموراً عدة، أهمها أن التوازنات الاقتصادية الكلية عندما تسوء، يجب معالجتها قبل أن تتفاقم. مثل هذا الأمر لم يؤكده صندوق النقد الدولي في تقرير صدر خلال أيار (مايو) 2008، بل أكد أن الاقتصاد اليوناني «أصبح مزدهراً لسنوات، وأن النمو المتوقع سيكون قوياً لبعض الوقت». والواقع أن الاقتصاد اليوناني استمرّ بالانكماش خلال الفترة 2008 - 2013 بمعدل 5.5 في المئة عام 2010 و8.9 في المئة عام 2011، وتفاقمت نسبة البطالة وبلغت نحو 27 في المئة عام 2013 والمديونية نحو 175 في المئة. وعجزت اليونان عن تسديد ديونها عام 2010 وارتفعت أسعار الفائدة عليها، واعتبرت أسواق المال اليونان غير مؤهلة للاقتراض، أي لا أحد يرغب في تقديم قروض لها بأسعار فائدة معقولة. يمكن، وفقاً لما تقدّم، استخلاص دروس تفيد واضعي السياسات ومديري الاقتصادات الوطنية.

أولاً، استدامة النمو الاقتصادي في ظل فجوتي الموازنة الحكومية والحساب الجاري في ميزان المدفوعات غير ممكنة، ولا بد من مواجهة الوضع مبكراً بتبنّي برنامج استقرار مالي في المدى القصير وبرنامج إصلاح هيكلي في المدى المتوسط والطويل.

ثانياً، يجب أن تصمّم البرامج بالاستناد الى معلومات وبيانات صحيحة ودقيقة. فحكومة جورج بابندريو مثلاً انتخبت عام 2009، وبينت أن الحكومة السابقة كانت «تتلاعب» ببيانات الموازنة، لأن العجز المعلن عام 2009 كان في الحقيقة 12.7 في المئة بدلاً من 6.8، وقد تم تنقيح الرقم ليصبح 15.7 في المئة.

ثالثاً، قدمت «الترويكا» (البنك المركزي الأوروبي والاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي)، حزمة إنقاذ عام 2010 بلغت 110 بلايين يورو مقرونة بشروط برنامج تصحيح مالي وإصلاح هيكلي. وبعد سنتين، فشل البرنامج وتفاقم الوضع الاقتصادي اليوناني، إذ استمر الاقتصاد بالانكماش بمعدلات أعلى، أي 5.4 و8.9 و6,6 في المئة في السنوات 2010 و2011 و2012 على التوالي، وارتفعت المديونية من نحو 146 إلى 171 في المئة و157 في المئة في السنوات 2010 - 2012. ومعروف أن البرامج التي تؤدي إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي في ظل أسعار فائدة موجبة على الديون، أي أن سعر الفائدة مهما كان ضئيلاً، سيكون أعلى من النمو، تفشل في خفض المديونية.

رابعاً، قدمت «الترويكا» حزمة إنقاذ ثانية عام 2012 بمقدار 140 بليون يورو حتى نهاية عام 2014، بشروط شبيهة بشروط الحزمة الأولى. وتفاقم الوضع حيث بقي نمو الاقتصاد سالباً في عامي 2012 و2013، وطفيفاً عام 2014. وارتفعت البطالة إلى مستويات غير مسبوقة لتبلغ 24.6 و27.5 في المئة عامي 2013 و2014، وبين الشباب 50 في المئة. ومعروف أن الوضع الاقتصادي لا يتحسّن ببرامج لا تؤدي إلى معدل نمو أكبر من أسعار الفائدة على قروض الدولة المدينة.

خامساً، يؤدي الفشل في إدارة اقتصاد البلاد في الديموقراطيات، إلى مراجعة سياسية وتغير في الحكومات قد تكون «للضرورة» كما حدث في اليونان في انتخابات 2014، حيث عارض الحزب اليساري «سيريزا» برنامج الإصلاح التقشفي واعتبره غير عادل لليونان، وفي الوقت ذاته لم يقدم بديلاً له.

سادساً، الاستمرار في برامج التقشف لا يجدي نفعاً في وضع اقتصادي متردٍّ ومديونية عالية. والمطلوب، العمل على تحقيق معدل نمو مرتفع وتحسين التنافسية من خلال رفع الإنتاجية.

سابعاً، يعرف الاقتصاديون أن المديونية لا تنخفض في ظل انكماش الناتج المحلي الإجمالي، إلا إذا كان سعر الفائدة سالباً بنسبة أكبر من نسبة انكماش الناتج. لذا، يجب ألا تزيّن نتائج برامج الإنقاذ وعلى أساس ذلك تقدّم المساعدات. وفي وضع اليونان ومديونيته المرتفعة، فإن أي برامج تقشف لن تساعد على إعادة النمو بنسب جيدة، تؤدي إلى تقليص نسبة المديونية إلا إذا اقترن ذلك بخفض مديونية اليونان أو إعادة هيكلة الدَيْن لفترة زمنية طويلة، خصوصاً أن دائني اليونان هم الحكومات الأوروبية.

* نقلا عن صحيفة " الحياة "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.