.
.
.
.

الصندوق السيادي وبيع أرامكو

إحسان علي بوحليقة

نشر في: آخر تحديث:

أتناول في هذا المقال جانباً من جوانب عديدة شملتها مقابلة شبكة «بلومبيرج» الإخبارية العالمية مع سمو ولي ولي العهد «محمد من سلمان » .

هل حقاً سنبيع أرامكو، دانة الاقتصاد السعودي ومرتكزه؟ وهل حقاً سنبيع معها احتياطاتنا من النفط؟!

الإجابة القصيرة : لا، عملاً بضوابط حاكمة حددها النظام الأساسي للحكم فيما يعرف بالمبادئ الاقتصادية وعلى وجه الخصوص ما نصت عليه المادتان الرابعة عشر والخامسة عشر ، بما يتعلق بالتعامل مع الثروات الطبيعية بما لا يترك لأحد مجال للاجتهاد ؛حيث تنص المادة الرابعة عشر: «جميع الثروات التي أودعها الله في باطن الأرض أو ظاهرها أو في المياه الإقليمية أو في النطاق البري أو البحري الذي يمتد إليه اختصاص الدولة وجميع موارد تلك الثروات ملك للدولة . وفقاً لما يبينه النظام . ويبين النظام وسائل إستغلال هذه الثروات وحمايتها وتنميتها لما فيه مصلحة الدولة وأمنها وإقتصادها » وتنص المادة الخامسة عشر إلا انه «لا يجوز منح إمتياز أو استثمار مورد من موارد البلاد إلا بموجب نظام . »وفي الفقرات التالية إضاءات حول بعض النقاط ذات الصلة .

أولاً: بيع أرامكو. تصنف شركات النفط في العالم لفئتين: شركات نفط حكومية، وشركات نفط مستقلة. عملياً، مكثت "أرامكو" جلّ حياتها في الفئة الأولى، وبمجرد طرح جزء من أسهمها (5 بالمائة) طرحاً عاماً ستنتقل للفئة الثانية، أي ستصبح شركة نفط مستقلة غير حكومية. ويمكن بيان أن ما سيجلبه الطرح ليس مستثمرين (لعلهم أجانب) ليستلموا مقدرات الشركة، وليدخلوا من النافذة بعد أن أخرجناهم من الباب في العام 1980! إذ ستبقى الدولة مالكاً للحصة الأكبر (95 بالمائة) ولكن في شركة مُدرجة. والادراج وما أدراك ما الادراج، فما سيجلبه الطرح هو أكثر من مجرد عوائد نقدية! فلا جدال أن "الكاش" مهم، لكن أهميته لا تقارن بما سيجلبه الطرح العام من قيمة؛ فإدراج شركة أرامكو السعودية في سوقٍ ماليةٍ محلية أو خارجية سيعني خروج أرامكو من وضعية "الصندوق الأسود" التي تعيشها منذ تأسيسها، إلى الوضعية الطبيعية لأي شركة مستقلة من حيث: الالتزام بمعايير الحوكمة والافصاح المالي والإداري، وفصل الملكية عن الإدارة وتوزيع الأدوار وتكاملها، وسيمكن الشركة من الاستفادة من "ضخامتها" التي بقيت –إجمالاً- محبوسة على مدى العقود الماضية ضمن الحدود الوطنية إلا فيما عدا بعض الأنشطة التي تخدم في الأساس تسويق النفط السعودي.

في المحصلة، هذا يعني تحول شركة أرامكو إلى لائحةٍ تضم إكسون موبيل وبرتيش بتروليوم وشل، بما يتيح لها أن تعمل كشركة عالمية للطاقة، أي لتتنافس معهم في بقع جغرافية أوسع من العالم. ولعل السياق يتطلب بيان أن ملكية الشركة في نهاية الأربعينيات كانت موزعة بين الشركات: إكسون 30 بالمائة، سوكال 30 بالمائة وتكساكو 30 بالمائة وموبيل 10 بالمائة، وكانت تُدار من نيويورك.

ثانياً: بيع الاحتياطي. هل سنبيع احتياطيات النفط؟ الجواب الموجز: ما مناسبة السؤال؟! فالموضوع هو عن طرح الشركة لتصبح مستقلة مُدرجة، أي عن بيع 5 بالمائة من أسهمها مقابل نقد، وليس الحديث عن صكوك لبيع الاحتياطي النفطي، فمن يشتري سهماً لا يشتري براميل من الاحتياطي، بل شهادة بتملكه عدداً من أسهم لشركة مدرجة في السوق تسمى أرامكو. ولا بد من الاستدراك بالقول إن أرامكو السعودية لا تملك برميلاً واحداً من احتياطاتنا النفطية، هي تعمل وفق اتفاقية امتياز لاستكشاف النفط والتنقيب عنه واستخراجه ونقله وتصديره وتكريره. أرامكو لم تملك قط الاحتياطيات، فمن يملك الاحتياطيات هي الدولة، واتفاقية الامتياز تمنح الشركة حق استغلال الاحتياطي وليس تَمَلكه، ولذا فالاحتياطي لم يكُ قط جزءاً مما تملكه أرامكو. هذا لا يقلل من القيمة الكبيرة لاتفاقية الامتياز، ولكن ثمة فرقا جوهريا بين حق الاستغلال (الامتياز) والملكية القراح. وتجدر الإشارة إلى أن المملكة لم تتنازل قط عن هذا الحق، فقد مارست سيادتها على نفطها في كل الأوقات، حتى عندما كانت أرامكو شركة أمريكية تمتلكها الأخوات الكبار، فقد استطاعت الحكومة في مطلع الخمسينيات أن تعيد تقسيم توزيع الأرباح ليصبح بالتساوي مع الشركة الأمريكية، ونقلت مقر الشركة من نيويورك إلى الظهران، وفي العام 1980 تملكت الشركة بالكامل، فأصبحت سعودية بعد أن كانت أمريكية خالصة في البداية، أي ذهبت تلك الشركات وبقي الاحتياطي تحت الأرض.

ثالثاً: الحديث إذاً هو ليس بيعاً تخارجياً، فأرامكو ستبقى. بل هو بيعٌ يُمَكّن أرامكو من العمل بصيغة أرحب، تتمثل في خروج "أرامكو السعودية" من جلباب الحكومة لتصبح شركة مستقلة. وطرح 5 بالمائة لا ينطوي على تسييل الأصول وتسليمها لمنافسين للتخارج منها، بل لمنحها المجال والأدوات لتنافس الأخوات الكبار في بقع جغرافية أوسع من العالم، ولتصبح أكثر من مُجرَد شركة "تزعب" النفط السعودي، إلى شركة صناعية متكاملة ترتكز إلى مزايا تنافسية، تساهم في الجهد الأهم لتحويل الاقتصاد السعودي لاقتصاد صناعي.

رابعاً: أرامكو قوة دافعة، كانت في مرحلة سابقة ولا تزال تمدنا بالمال وبالرجال والنساء، وحالياً وبعد أن اكتسبت خبرة وحنكة، فبوسعها أن تمارس دوراً إضافياً وجوهرياً، بأن تصبح «حفازاً» يدفع وينشط برنامج التحول الوطني، وهو برنامج طموح يسعى ليحقق -ضمن أمور أخرى- تحويل الاقتصاد السعودي من الريع إلى الإنتاج. المؤهل الأهم لأرامكو أنها تمتلك مفاتيح كثيرة لفك انسدادات عدة منعت في السابق اقتصادنا من إطلاق قوته الكامنة.

ثمة من ينظر للمبادرات كصفقات بيع وشراء، في حين أنها مبادرات تنطوي على قدر كبير من تحدي الذات واعتداد بقدرتنا -كوطن- على الإنجاز والمنافسة، فاقتصادنا يملك معطيات القوة والقدرة على التجدد وقيادة المنطقة برمتها، كمرتكز للنمو وللتنوع وللمنافسة، بما يحقق ما يرمي له برنامج التحول لرفع مستوى معيشة المواطن، فهذا هو مربط الفرس، وهو المحصلة النهائية التي يُعتد بها لقياس النجاح، وبوسع أرامكو أن تساهم في تحقيق ذلك مساهمةً جوهرية لا يمتلكها أحدٌ سواها هي، فالأمر ليس بيع "الدانة" بل كشف قيمتها للملأ بعد أن كانت حبيسة صندوق أسود تحيط به السياجات!

* نقلا عن صحيفة " اليوم "

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.