.
.
.
.

إحياء الثقافة والتراث الوطنيين

سلطان بن سلمان

نشر في: آخر تحديث:

الملك سلمان بن عبدالعزيز يسير على خطى أسلافه الذين آمنوا بتاريخ المملكة، وبأهمية تعليم الشباب السعودي ليتطلعوا إلى المستقبل وهم يستندون إلى تاريخ عريق.

بداية أود أن أوضح أننا في المملكة العربية السعودية ننفذ في هذه اللحظة تنمية ضخمة في مجال إحياء الثقافة والتراث الوطنيين، لكنني أضع في الاعتبار توجيها حكوميا شديد الوضوح والصرامة بأن نعدّ الاستدامة عاملا مهما من خلال مجموعة القوانين التي أقرت في المملكة هذا العام.

المملكة تؤمن بأهمية استدامة المواقع ونركز على ضمان عدم إساءة استغلال هذه المواقع، وأن تتم التنمية بشكل يحترم ويراعي تماما تاريخ وثقافة المناطق التي تضم هذه المواقع.

المملكة تمتلك رصيدا مهما على صعيد التراث الثقافي، وبالنسبة للذين لا يعرفون المملكة فإنني أود الإشارة إلى أن هذا يرجع إلى تقصيرنا نحن، فالسعودية مهد الإسلام وأرض الحرمين الشريفين، لكن في نفس السياق لا يمكن فهم الإسلام دون معرفة ما كان قبل الإسلام.

نؤمن بأن الإسلام دين عظيم نزل على أرض لم تكن خاوية بل أرض غنية لها تاريخ طويل، ويتضح هذا من خلال المواقع الكبيرة والآثار التي نكتشفها اليوم وتبينه برامج الاستكشاف.

هناك خبراء من أكثر من 30 دولة تتعاون معنا اليوم في مشاريع مشتركة لاستكشاف بلادنا من جديد، واكتشاف مواقع لم يُسمع عنها من قبل تحكي معا تاريخ شبه الجزيرة العربية.

يصاب الكثيرون بالدهشة حينما نتحدث عن الاكتشافات التي في المملكة، مثلا مشروع الجزيرة العربية الخضراء بالتعاون مع بعض أشهر المؤسسات العالمية مثل جامعة أوكسفورد وغيرها تبرهن على أن السعودية التي يظن معظمكم أنها صحراء ليست كلها صحراء، وهو ما لا يعلمه على الأرجح الكثيرون، وتؤكد أن السعودية تضم آلاف البحيرات والحياة البرية ونباتات الفيونا وحشائش السافانا، والاكتشافات التي نراها اليوم أنياب فيلة يزيد طولها على مترين في الجزء الشمالي من السعودية واكتشاف آثار لهجرة الإنسان في قديم الأزل من أفريقيا تبرهن على أن المملكة لم تكن مجرد نقطة عبور أو محطة توقف لرحلات الهجرة، وأن هذا الجزء من العالم كان وجهة استقر فيها الإنسان وبنى حضارات عظيمة، وإن قرأتم تاريخ السعودية كما نكتشف الجديد عنه كل يوم، فستعرفون أن الجزيرة العربية كانت بالفعل مركز الحضارات كلها.

لقد أطلق عدد من أعظم الرحالة والمؤرخين في العالم على بعض الأماكن مثل تيماء في شمال المملكة اسم "نيويورك العالم القديم"، لقد جابت طرق التجارة والقوافل جميع أنحاء الجزيرة العربية، وعندما ظهر الإسلام منذ أكثر من 1400 عام كانت الجزيرة العربية مستعدة لتلقى الدين العظيم، إننا نؤمن بأن قواعد الكعبة رفعها النبي إبراهيم عليه السلام قبل 2400 عام من مولد النبي محمد، صلى الله على وسلم، وأنه في خلال تلك المدة فيما بينهما كان التحضير قد بدأ لظهور الإسلام في الجزيرة العربية، فلا يمكن أن يظهر مثل هذا الدين العظيم في مكان بسيط أو مجرد صحراء أو أرض تعاني من الفراغ سواء فراغا ثقافيا أو سياسيا أو اقتصاديا.

نحن نتحدث عن جزء من العالم ظهر فيه دين عظيم في مرحلة شديدة الأهمية في تاريخ البشرية، لقد ظهر الإسلام في مكة المكرمة، حيث كانت وقتها آخر الحضارات العظيمة التي نشأت في الجزيرة العربية، وبينما اندثرت الممالك والحضارات الأخرى برزت مكة باعتبارها قوة سياسية واقتصادية وثقافية.

إن طرق التجارة والقوافل التي جاءت إلى الجزيرة العربية عند ظهور الإسلام قامت بوظيفة الاتصال مثل الإنترنت أو تويتر في يومنا هذا، فقد أسهمت هذه القوافل التجارية في ذلك الاتصال بمجيئها إلى مكة لنقل التجارة من الجنوب والشمال وخروجها من ذلك المكان إلى جميع أنحاء العالم لنقل تعاليم الدين الإسلامي أحد أسرع الديانات انتشارا إن لم يكن أسرعها على الإطلاق.

المملكة أطلقت "المبادرة الوطنية للعناية بالتراث الثقافي" وهي ملتزمة بها وخصصت مبالغ طائلة وصلت إلى نحو ملياري دولار في المرحلة الأولى لبناء عدد كبير من المتاحف وإعادة هيكلة نظام المتاحف بالكامل، بما يفتح المجال لاستكشاف المملكة بالتعاون مع ألمع العقول النابغة لاستكشاف بلدنا الذي يعود تاريخه إلى ملايين السنين.

إن الاكتشافات التي حققناها في المملكة اليوم كبيرة ومهمة، وعملي الذي أعدّه الأمتع هو استكشاف أرض قيل عنها الكثير، ومنه ما قاله الخبير العالمي المصري زاهي حواس الذي زارنا الشهر الماضي، إذ قال "إن ما لديكم في السعودية يشبه ما كان في مصر في القرن التاسع عشر.. دولة غير مكتشفة تخضع لعملية استكشاف شاملة يقوم بها أبناؤها".

يشارك الفرق الدولية التي تتعاون معنا اليوم عشرات من السعوديين والسعوديات الذين درسوا على مدار سنوات، الذين استثمر بلدهم في تعليمهم ليستكشفوا تراثه ويحافظوا عليه.

إن المملكة هي نقطة التقاء الحضارات، ومن هذا المنطلق يعد ما اكتشفناه دليلا على أن السعوديين لم يكونوا فقراء قط، ونحن لسنا "حديثي نعمة"، ولسنا شعبا استيقظ يوما واكتشف البترول وأصبح ثريا، فنحن جئنا من حضارة عظيمة وثروة امتدت آلاف السنين، واعتمدت على حضارات نشأت وعاشت في أرض الجزيرة العربية، لذا فإن ما نراه اليوم في متاحفنا ومعارض "طرق التجارة في الجزيرة العربية" هو ثروة هائلة تركت لنا لكن بجانب هذه الثروة المكتشفة لا يزال الكثير غير مكتشف أمام السعوديين الذين تجري هذه الحضارات العظيمة في عروقهم.

إننا نؤمن كذلك بأن السياحة من الأهمية بمكان، وأنا أتحدث عن السياحة بمعني زيارة الأماكن والاستمتاع بقضاء الوقت هناك في جو من الاحترام والضيافة وكرم أبناء هذا البلد المعروفين بالجود، وليست السياحة التي تدمر كل شيء في طريقها من أجل تحقيق أرقام كبيرة، لذا فإن السياحة في المملكة تركز في الأساس على سياحة القيمة، إذ تستحوذ السياحة الثقافية على حصة أكبر من قطاع السياحة لتصل إلى أكثر من 50%.

إن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، يحفظه الله، يسير على خطى أسلافه الذين آمنوا بتاريخ المملكة وبأهمية تعليم الشباب السعودي ليتطلعوا إلى المستقبل، وهم يستندون إلى تاريخ عريق، لذا فإننا نعقد الكثير من الشراكات ونوفر التمويل وإنشاء المواقع وإحياء تاريخ المملكة من خلال المواقع التراثية.

لا يمكن تعلم التاريخ من خلال الكتب وحدها، والتاريخ العريق للمملكة والتنوع الكبير في ثقافة هذا البلد مسألة في غاية الأهمية، لذا فإن ترميم المواقع الأثرية وفتحها وعقد الندوات التي وصلت الآن إلى مئات الندوات تقدم تاريخ المملكة من زاوية مختلفة، وتفتح نوافذ يتعلم منها النشء تاريخهم ويستمتعون بطابعها الثقافي، من خلال التنوع في صنوف المأكولات والحرف واللكنات، فالكثيرون لا يعرفون أن السعودية تضم بيئات متنوعة: البيئة الجبلية والبيئة الساحلية والبيئة الصحراوية، وهو تنوع شامل يزيد من قوة الدولة.

لم تُطلق أي مبادرة في السعودية مثل هذه المبادرة التي وصفتها السيدة "فيركوفا" بأنها مبادرة على مستوى عالمي تتبنى منظورا شاملا لإحياء الثقافة بجميع أبعادها، سواء من ناحية الآثار أو المتاحف أو الصناعات الحرفية أو التعليم أو الإعلام أو الشراكات وغيرها.

بات من الضروري أن نعرف أن استثمارنا يتجاوز بناء المتاحف والمواقع الثقافية إلى بناء أجيال من السعوديين تدير هذه المتاحف، فنحن نتميز بكبر حجم القوة البشرية في السعودية، إذ سيصل تعداد السكان فيها قريبا إلى 30 مليون نسمة.

ومن بين الأشياء التي تستثمر فيها المملكة منذ نشأتها هي التعليم، والمملكة تستثمر اليوم أكبر قدر من ميزانيتها في التعليم وإعادة الهيكلة الشاملة لنظام التعليم، فهناك أكثر من 270 ألف طالب وطالبة سعوديين يدرسون في جامعات في جميع أنحاء العالم في منح حكومية لأفضل جامعات العالم، هذا بخلاف عشرات الجامعات المتميزة التي أنشئت على مدار السنوات الخمسين الماضية، كما أن الاستثمار البشري يجري أيضا في مجال التراث وأتوقع في السنوات الخمس المقبلة مع تركيز المبادرة الوطنية على القوة البشرية أن نخرج جيلا من السعوديين والسعوديات درسوا في جامعات العالم، وتدربوا في أكبر متاحف العالم التي نتعاون معها مثل اللوفر والمتحف البريطاني ومتحف المتروبوليتان وغيرها الكثير، وأن يصبح هذا الجيل هو المعلم للأجيال التي تليه وأن يديروا المواقع الثقافية، كما أننا أطلقنا المبادرة الوطنية للصناعات الحرفية، إذ ستصبح أحد القطاعات الاقتصادية المهمة.

*نقلاً عن صحيفة "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.