.
.
.
.

اللغز الأفريقي في مواجهة وباء كورونا

أكمل عبد الحكيم

نشر في: آخر تحديث:

منذ بدايته، ترافق وباء كورونا الحالي بالعديد من المتناقضات والألغاز، والتي استعصى على العلماء في كثير من الأحيان حلها أو تفسير أسبابها. من هذه الألغاز، النسبة المنخفضة لمعدلات الإصابات والوفيات بين سكان دول القارة الأفريقية قاطبة، والتي تعتبر من الأقل بين مناطق وقارات العالم، إن لم تكن الأقل على الإطلاق. هذا رغم أن نظم الرعاية الصحية في الدول الأفريقية، ليست هي الأفضل بين دول العالم، بل إن معظمها متداع وشبه منهار، نتيجة شح الموارد المالية ونقص الكوادر البشرية، مقارنة ببعض الدول الصناعية الغنية، والتي تزيد ميزانية الرعاية الصحية في بعضها على مجمل ميزانيات الرعاية الصحية في الدول الأفريقية مجتمعة.
وفي محاولة لتفسير هذا اللغز، يشير البعض إلى عدم دقة البيانات المتعلقة بمعدلات الإصابات والوفيات في الدول الأفريقية، لكن حتى إذا ما وضعنا هذا السبب في الاعتبار، وزدنا معدلات الإصابات والوفيات عن الأرقام الرسمية المنشورة، فسنجد أنه لا زالت هناك هوة وفجوة واسعة، مقارنةً بمعدلاتها في الدول الأوروبية والغربية. ولذا يشير آخرون إلى أن هذا التباين مرده إلى الاختلافات في التركيبة السكانية، وبالتحديد متوسط عمر الأفراد. فعموماً، يبلغ متوسط عمر أفراد سكان الدول الأفريقية، نصف متوسط عمر أفراد سكان الدول الأوروبية. وفي الوقت الذي يشكل فيه الطاعنون في السن نسبة لا يستهان بها من المجتمعات الغربية، نجد أن فئة مَن بلغوا العقد السابع والثامن من العمر في الدول الأفريقية هي فئة قليلة العدد. والمعروف أن السواد الأعظم من وفيات كورونا يقع بين كبار السن، والمصابين بالأمراض المزمنة، حيث تشكل هاتان الفئتان حوالي 90% من الوفيات على مستوى العالم.
أما الآمال التي علقت على أن ارتفاع حرارة الجو سيحد من سرعة انتشار الفيروس، فقد أثبت الصيف الماضي خيبتها، حيث ظل الفيروس ينتشر بنفس المعدلات في الولايات الجنوبية من الولايات المتحدة، والدول الواقعة جنوب أوروبا، والتي تعرضت لصيف قائظ، دون انخفاض ملحوظ في انتشار الفيروس، بل شهد شهرا يونيو ويوليو الماضيين موجة ثانية ردت الأمور إلى ما كانت عليه في ذروة الوباء، وبالتالي لا يمكن رد الانخفاض النسبي في معدلات الإصابات والوفيات في الدول الأفريقية إلى المناخ الحار الذي يميز طقس تلك الدول. ولذا، يبقى تفسير واحد يحظى باهتمام العلماء حالياً، وهو أن تكرار التعرض للعدوى بأمراض فيروسية أخرى مشابهة في التركيبة الوراثية لفيروس كورونا، نتيجة الفقر وسوء الرعاية الصحية والاكتظاظ السكاني، ربما خلق لدى سكان القارة السمراء نوعاً من المناعة المتقاطعة، مكنت أجهزة المناعة لديهم من الاستجابة بشكل أفضل لفيروس كوفيد-19. وهي النظرية التي إذا ثبتت صحتها، فستترك بصمةً عميقةً على المقاربات الهادفة للحد من انتشار الوباء الحالي.

*كاتب متخصص في القضايا الصحية والعلمية

*نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.