.
.
.
.

الإرهاب والإعلام.. منْ يستخدم منْ؟

منير أديب

نشر في: آخر تحديث:

النسخة الجديدة من التنظيمات الدينية المتطرفة، وبخاصة العابر منها للحدود والقارات، يعتمد في ‏معركته على سلاح الإعلام، الذي يراه على درجة الأهمية نفسها مع الأسلحة الأخرى التي ‏يستخدمها ضد خصومه؛ ففي أكثر معاركه التي يقتل فيها هؤلاء الخصوم يستخدم الإعلام قبل تنفيذ ‏العملية كتمهيد، وبعد تنفيذ العملية باعتباره جزءاً مكملاً من العملية ذاتها. وهنا تعتقد هذه ‏التنظيمات أن نجاح أي هجوم جنائي من قتل وتفجير يستلزم أن يصل أثر هذه العملية إلى محطته ‏النهائية بحيث يخلق أجواء التأزم التي تصنع الفوضى التي يُنشدها هؤلاء المتطرفون.‏

الإعلام لم يَغب عن مشهد المواجهة الذي تفوقت فيه جماعات العنف والتطرف التي باتت من ‏خلاله أكثر تأثيراً في أنصارها وهي بعيدة منهم، إذ كانت المنصات الإعلامية بمثابة نقطة ‏التواصل الحية. فقد وضعت خططها واستراتيجيتها عبر المنصات الرقمية الجديدة بطريقة تبدو ‏آمنه لها ولمن يأخذ التكليف منها، وهنا سبقت جماعات العنف والتطرف بخطوة الى الأمام، بينما ‏وقف الإعلام المواجه لها مكتوف الأيدي، لم يفهم مرامي هذا الإعلام فضلاً عن سُبل تفكيكه.

ولكن ما نشاهده هو أن بعض وسائل الإعلام استخدمت، هي الأخرى، تنظيمات العنف والتطرف ‏وقدمت محتوى إعلامياً داعماً لها، وباتت بيانات هذه التنظيمات في صدر نشراتها الإخبارية، بل ‏وأصبح الخبر الأول في هذه النشرات يخص هذه التنظيمات بشكل منحاز.

لا يمكن مواجهة التنظيمات المتطرفة من دون استحضار سلاح الإعلام ومن دون مواجهة إعلام هذه ‏التنظيمات التي نجحت من خلاله في رسم صورة ذهنية مخيفة، ربما تكون أكبر من حجمها. ‏فسلاح الرعب هو بمثابة الاستراتيجية التي تعتمدها هذه التنظيمات في مواجهة الخصوم.‏

عندما كان المغول يهمون باحتلال بلد، كانوا يشيعون بين أهله أنهم قادمون للحرب كجزء من ‏حرب إعلامية كان لها ثمارها، ويقومون في الوقت نفسه بنشر حكايات القتل والذبح والتمثيل ‏بالجثث وخلافة. وبعيداً من سلوك المغول الذي نقله التاريخ بتفاصيله، فإن وجهته في إدخال ‏الرعب في قلوب الخصوم أدت إلى نتائج مذهله على المستوى العسكري، وهنا حقق الإعلام لهذه ‏التنظيمات ما كانت تصبوا إليه بعدما استدعته من القبائل الفوضوية في القرن الحادي عشر.

الإرهاب يبحث دائماً عن التجمعات التي يحقق من خلالها الفوضى أو ما يرجوه من العمل ‏العسكري، فإرهاب الجماهير هدف أساسي ورئيسي، سواء من خلال أعمال العنف التي تمارسها ‏جماعات التطرف أم من خلال المنصات الإعلامية التابعة لهذه التنظيمات، المسموعة أو ‏المقروءة أو المرئية، وهنا نؤكد أن هذه التنظيمات تنظر إلى الأذرع الإعلامية باهتمام شديد، ‏فترى العمل الإعلامي مكملاً أساسياً للعمل العسكري إن لم يكن جزءاً منه.‏

بعض الدول الكبرى تدعم بعض جماعات العنف والتطرف من خلال السماح لها بتدشين منصات ‏إعلامية، وقد تكون هذه المنصات معلومة المكان أو مخفية، فتغض الطرف عنها، وأحياناً تسعى إلى تدشين هذه المنصات بهدف تقديم دعم لوجستي يُساعد على بقاء هذه التنظيمات ‏أولاً واستمرار قوتها ثانياً، وهنا يبدو استخدام الإعلام لهذه التنظيمات جزءاً من مفردات الصراع ‏السياسي.‏

قد تكون بعض المنصات الإعلامية تابعة لحكومات بعض الدول أو تنفق الأخيرة عليها، هذه المنابر ‏تستضيف أمراء التنظيمات المتطرفة وقادتها وتقوم بتقديم محتوى إعلامي يُعبر عنها، وقد تُفاجئنا ‏هذه المنصات بإطلاق لفظة المعارضة على هذه التنظيمات وقد تسميها المعارضة المسلحة من دون ‏إطلاق الوصف الأقرب لطبيعة هذه التنظيمات "المتطرفة" أو التكفيرية، والسؤال كيف نُسمي ‏قوى متطرفة بأنها معارضة؟ إلا إذا كانت هذه المنصات تُدافع عن هذه التنظيمات أو تستخدمها.‏

نجحت التنظيمات المتطرفة حديثاً في استقطاب كوادر إعلامية محترفة بحكم عولمة هذه ‏التنظيمات، أغلبها أصبح عابراً للحدود والقارات، بما سمح للأجانب بأن يلتحقوا بها ووفر ذلك ‏كوادر إعلامية متميزة؛ هذه الكوادر صنعت طفره في إعلام تنظيمات العنف، كما سعت هذه ‏التنظيمات إلى اكساب أتباعها بعض المهارات الإعلامية التي تسمح لهم بالتواصل وبث محتوى ‏إعلامي يخدم هذا التنظيم أو ذاك، وهو ما يفرض تحدياً يرتبط بضرورة الانتباه إلى الخطاب ‏الإعلامي لهذه الجماعات.‏

الإعلام بالنسبة الى تنظيمات العنف والتطرف أصبح مهماً في عملية التواصل بين خلاياها سواء ‏التي تعمل في الرصد أم في تنفيذ العمليات المسلحة أو التجهيز للعمليات الإرهابية، والأهم ‏تواصلها مع مجموعات جديدة بهدف التجنيد والاستقطاب.. الرقابة الأمنية فرضت وضعاً دفعها ‏لاستخدام الإعلام في التواصل، فهذه المجموعات متباعدة في المكان رغم تقاربها الأيديولوجي، ‏والإعلام هنا صنع من هذه التنظيمات مادة يومية فتصدرت أخبارها النشرات اليومية وهو ما ‏نعده مبالغة في حجمها النسبي، وهو ما دفعنا لفتح حوار حول استخدامها للإعلام أو استخدام ‏الإعلام في مواجهتها.‏

نقلاً عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.