سور الفضاء العظيم
استوقفني سور لأحد القطاعات الحكومية يقع على أربعة شوارع رئيسية في جدة، وقد شيدت بداخله مبان متوزعة على أركانه، دون الاستفادة الفعلية من كامل المساحة، وطيلة عشرين عاما يصادف مروري في ذلك الشارع لم يلفت انتباهي ما بداخل ذلك السور العظيم «اقصد السور الكبير».
المارة بنفس الشارع، وبالأخص جيران السور استثمروه أفضل من القطاع الذي انتقلت له الملكية، إذ أن البعض استفاد منه في ممارسة الرياضة اليومية، والدوران حوله ليل نهار، بل إنه أطلق عليه سور الحوامل، كون غالبية مرتاديه من النساء، وخصوصا الحوامل ممن يزاولن المشي في الأشهر الأخيرة من الحمل.
بالمصادفة وأثناء زيارتي لمريض في مستشفى مطل على ذلك السور، وقفت أتأمل تلك المساحات الشاسعة لما بداخله والتي لم تستثمر حق الاستثمار الفعلي، وأهدرت مساحات كبيرة في قلب العروس، كان الأحرى بتلك الجهة استثماره في مقار خدمات لها أو تاجيره للقطاع الخاص وتستمر العوائد المالية في تحقيق دخل إضافي يستفاد منه أو يعود لخزينة الدولة.
وأكاد أجزم أن عشرات من المساحات في كل مدينة لم تستثمر كما يجب، والسبب أن بعض القطاعات تملكت تلك الأراضي في فترات تخطيط المدن وتعرضت بشكل أو آخر إلى النسيان بحكم انتظار إقامة مشاريع أو التناسي المتعمد لها. مساحات كبيرة من الأراضي في المناطق سواء المملوكة لقطاعات حكومية أو لأفراد تعرضت للموت، ولم يتم إحياؤها بإقامة مبان لتلك القطاعات عليها بدلا من المقار المستأجرة، والحال كذلك للمواطنين الذين يهملون أراضيهم ولا يستثمرونها في تشييد مبان عليها.
وعلى النقيض من هذا تجد أن هناك رجال أعمال يعرضون أراضي مملوكة لهم على قطاعات لاستثمارها في تشييد مبان عليها كنوع من الخدمة المجتمعية، وهذا ما حدث في جدة تحديدا إذ أن أحدهم خصص موقعا وطلب من عدة جهات حكومية إنشاء مجمع للدوائر الحكومية الخدمية على تلك الأرض ليتم من خلالها التخفيف على المراجع من زيارة القطاعات في مقارها وتقديم خدمة غير عادية، ولكن لم تول بعض الجهات الأمر مزيدا من الاهتمام عدا إدارة نقلت قسما حيويا هاما لذلك الموقع ووضعت «بركسات» متحركة يتم خلالها تقديم خدمات للمراجعين في هذا القطاع.
قادني الفضول لمعرفة سر البيوت الجاهزة «البركسات»، واتضح أن الجهة أرادت تقديم الخدمة من جانب، وتحفيز القطاعات الأخرى في التحرك لتنفيذ المشروع الذي ما زال حبيس أدراج مسؤولي القطاعات الخدمية في انتظار الفرج القريب، والذي أصبح بعيدا مع تقادم المدة التي طرح فيها فكرة المشروع، وصاحب الأرض قدم الفكرة وترك الجمل بما حمل.
ولعلي أوجز الحديث حول ما بدأته عن تلك المساحات المهدرة، ولو تحركت وزارة الإسكان لحصرها لوجدت أنها كافية لإقامة مشاريعها المزمع تنفيذها وباشرت في توزيع الوحدات السكنية في فترات سريعة وقصيرة وأحيت الأرض بعد موتها، مثلما يشير الوزير شويش الضويحي، والتي ما زالت أحاديثه راسخة في أذهان المواطنين بأن استراتيجية وزارته في التعامل مع الأراضي البيضاء ستكون «يا تعمر يا تبيع»، وتبدأ وزارته خطواتها مع القطاعات المختلفة لسحب الأراضي الزائدة على احتياجاتها واستثمارها في إطار خطوتها الرئيسية لمعالجة واحدة من كبرى المشكلات التي تواجهها مع ندرة الأراضي في بعض المناطق.
*نقلاً عن "عكاظ" السعودية