سياحة الاستنزاف
السياحة الداخلية دعوة مفتوحة لهجر التوجه للخارج، وفعاليات ربما ارتبطت فقط بليلة واحدة تتمثل في افتتاح الأنشطة ثم تغيب الفعاليات.
وفي الوقت الذي أصبح فيه العالم قاب ضغطة أصبع، بات من السهولة التوجه إلى المواقع الإلكترونية والبدء في المقارنة بين السياحتين الداخلية والخارجية، ومن هنا تبدأ الخيارات والبحث عن الأفضل.
سنوات طويلة مضت على الدعوة المفتوحة للسياحة المحلية، إلا أن الأنشطة ذاتها لم تتغير، ولم يطرأ أي تغيير على جداول الفعاليات سوى في اليوم والتاريخ، ويبقى الحال على ما هو عليه، ويزداد مع ذلك جشع التجار وملاك الفنادق والشقق المفروشة التي ترفع الأسعار ضاربة بالتعليمات عرض الحائط.
إن مفهوم السياحة يوازي الترفيه، يعني توفير كل ما يصبو إليه السائح وفق الضوابط الإسلامية والعادات والتقاليد وثوابت المجتمع، إن مفهوم السياحة أشمل من حفل افتتاح وألعاب نارية تملأ السماء، إذ يتوجب على القائمين عليها أن يؤمنوا بأن الفعاليات النوعية والمتنوعة في الوقت نفسه مهمة، وأن مراقبة الأسعار مطلب مهم لتشجيع السياحة ودفع المواطن للتوجه إليها بعيدا عن المقارنات.
وبالرغم من توافر أهم مقومات السياحة الدينية، والمواقع الأثرية ومناطق الجذب السياحي، إلا أن استثمارهما لم يكن بالصورة المطلوبة والمشجعة لدخول مضمار المنافسة في هذا المجال الذي يتطلب صناعة للسياحة الداخلية ومنشآت قادرة على استقطاب رؤوس الأموال لتلبية رغبات السواح من الداخل والخارج.
ينتابنا الحزن عندما نحط الرحال في دولة مجاورة، أو دولة في أقصى العالم بحثا عن الهدوء والاستجمام والتخلص من صخب عام بأكمله، نتنقل فيه بين حفريات تغلق الشوارع وزحام لا يحتمل وأجواء تبلل الأجساد، وفي الجانب الآخر متنفس لا يطاق بين جشع التجار وبرامج تعاد مثل المسلسلات التلفزيونية التي سئمنا متابعتها من كثرة تكرارها، ويصل بنا الحال في بعض الأوقات إلى إلغائها لرداءة محتواها.
بالفعل، دول لا تمتلك ربع مقومات وثروات بلادنا، تتفوق على مدننا بصناعة سياحة جاذبة، تستقطب الزوار من أرجاء العالم ويسوق لها مكاتب من الداخل والخارج، لكن الفرق كبير بين استنزاف الجيوب واستثمار العقول.
كم من مبالغ نصرفها في رحلات ترفيهية ليس الهدف منها اكتشاف العالم، بل البحث عن المتنفس في «كل شيء»، نعم إنه المتنفس الذي يقودني أنا وأنت وغيرنا. يتبادر إلى الذهن سؤال: لماذا نجد أن معارض الصناعات في بلادنا لا تتوفر إلا في المواسم، بينما في دول مجاورة نجدها على مدار العام؟، وهي خليط من كل الدول المصنعة وبأرخص الأسعار، بل تقام في كل شهر لدولة معينة، وأحيانا لأكثر من دولة ودولتين، والهدف راحة المتسوق، الحال لدينا مختلف، فوجودها في رمضان والصيف بهدف استنزاف جيوب الأسر التي تريد المنتجات النادرة، والتي لا تباع في المولات والأسواق رغم كثرتها، وهذا ما يدفعها للسفر والحصول على متطلباتها بأسعار زهيدة، ومنها ترفيه وتسوق والعودة بمبالغ يمكن استثمارها في شراء مستلزمات العيد ورمضان.
الجشع الذي نلمسه في المواسم سمة باتت تلازم البائع في متجره، والمستثمر في مجاله، والمقيم في مهنته، لدرجة أنه بات يستنسخ ما يحدث حوله ليطبقه على غيره، والمواطن هو من يدفع ضريبته في كل يوم وشهر وسنه، ونخشى أن ندفعه العمر كله.
أعود لما بدأت به عن السياحة، فهي تحتاج إلى صناعة، واستثمار فعلي يركز على المنتج والمكان دون النظر في الجيوب والمدخولات، وإسنادها لمن يجعل الأسعار جاذبة للسواح من الداخل والخارج، والمحصلة التي نريدها أن نرى مدخولاتنا الشهرية تستثمر داخليا، لا أن نجد السائح السعودي فرصة ثمينة في الخارج، حيث ينظر له كبنك متنقل يصرف ويسحب منه نظير خدمة أو سلعة يشتريها.
* نقلا عن "عكاظ" السعودية