ماذا نقول للتلاميذ؟
كنت أستمع لراديو الكويت، وكان البرنامج عن أحد الشعراء الفحول "الراعي النميري".
لا أذكر أني قد سمعت عن هذا الشاعر من قبل، لكنه عاش ردحا من حياته في الكويت وحولها، واستوقفني في البرنامج تعليق المذيع أن هناك من وضع ترجمة للشاعر ضمن كتاب ألفه باحثان عراقيان، وأنهما لم يذكرا أن الشاعر من كاظمة (الاسم القديم للكويت)، بل ذكرا أن مقام الشاعر على مسير يومين في البصرة! ولا غرابة أن كلا يريد "الاستئثار" بما هو ثمين ذو قيمة، ولكن مسير يومين من البصرة سيوصلك للكويت!
والتنافس على الشعراء وارد، خصوصاً لمن عاشوا في العصور الغابرة، فمثلاً قطري بن الفجاءة تنسبه دولة قطر لها، وإبن المقرب العيوني تقيم له البحرين المهرجانات. بوسع كل دولة ومثقفيها أن يقضوا أعواماً في إثبات أن هذا الشاعر الفحل أو ذاك قد "قُطِعَ صره" على ترابها الوطني، ولكن ليس بوسعها الاستئثار به، إذ بوسعها كذلك القول أنه عربي ولا فرق أين عاش ما دامت "بلاد العرب أوطاني".
حديثي ليس عن الشعر، فالعلاقة بيني وبينه فاترة؛ رغم أني أحب فيه إذكاء الروح وليس بعث النعرات، وهذا ما كان ملفتاً في سيرة الشاعر الراعي النميري، الذي كان فحلاً لكن ذلك لم يمنعه من الذهاب لجرير الذي هجاه طالباً منه أن يتوقف، فلم يك الراعي من أرباب المعارضات والهجاء والهجاء المضاد، مما شغل الناس في ذلك العصر بين الفرزدق وجرير، فلم يك الراعي شاعراً فقط بل كبير قومه وذو مكانة وشأن في مجتمعه المحيط وفي المجتمع الأوسع. وتصرف الراعي هذا مستغرب من شاعر فحل، لكن العقل دائماً يذهب للبناء والاستقرار وليس لتوليد الضغائن أو لتسجيل البطولات الصغيرة.
أعود لنقطتي الأولى، أن تنازع العرب على الشعراء أو على أي إرث ثمين أمر يعزز الفرقة، فالموروث ثروة مشاعة علينا تنميتها والحفاظ عليها وليس تمزيقها إرباً؛ ليستأثر كل منا بقطعة حتى يقول هذه لي دون البقية! لعل هذا أمر يجدر بنا تطبيقه على الكثير من أمورنا وخصوصاً ما يتعلق بالماضي، فالتنازع على أشخاص وأحداث مضت لا يؤدي –بطبيعة الحال- إلا للتمزق والفرقة.
ورغم أن هذا أمر معروف بداهةً ومعاش واقعاً، لكننا نمارسه أبداً وعلى نطاق واسع، فمن التنازع حول الشعراء إلى التنازع حول أي أمر آخر يخطر على البال.
ما الحل؟ ليس لدي حل بقدر بيان أننا أمام معضلة حقيقية تتعلق بالاتساق والانسجام، لنتفق ما الذي يجب أن نقوله للأطفال حول ماضينا؟ هل هو ماضي العرب ككتلة أم ماضي التناحر والتنازع؟ أم ماضي كل بقعة جغرافية؟ كان حكيما ذا رؤية مَنّ سمى منطقتنا العالم العربي، فهذه المنطقة تقوى بالجمع وتضعف وتتفتت بالقسمة، ويبدو أن النهج أصبح تقسيمياً وأخذت النعرات المحلية تظهر وتقوى.
قد لا يكون هذا الوقت هو الأنسب وقد يكون، لكن ما يشغلني بالفعل: ما الذي سيختزنه الصغار؛ وكتبهم تقول لهم أشياء لا يساندها واقع الممارسات اليومية بل يناقضها في أحيانٍ كثيرة؟ وبناءً على ذلك، كيف سيكون العقل العربي للجيل القادم؛ هل ستتحطم بقايا العروبة عنده، أم سيظهر عقل حصيف جديد يجمع ما تفتت وما يتفتت؟
*نقلا عن "اليوم" السعودية